الشنقيطي

251

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ( 7 ) [ العاديات : 6 - 7 ] أي بلسان حاله أيضا على القول بأن ذلك هو المراد في الآية أيضا . واحتج من ذهب إلى هذا القول بأن اللّه جل وعلا جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك به جل وعلا في قوله : أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ، قالوا : فلو كان الإشهاد المذكور الإشهاد عليهم يوم الميثاق ، وهم في صورة الذر لما كان حجة عليهم ، لأنه لا يذكره منهم أحد عند وجوده في الدنيا ، وما لا علم للإنسان به لا يكون حجة عليه . فإن قيل إخبار الرسل بالميثاق المذكور كاف في ثبوته قلنا : قال ابن كثير في تفسيره : الجواب عن ذلك أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره ، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم ، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من التوحيد ، ولهذا قال : أَنْ تَقُولُوا الآية ا ه منه بلفظه . فإذا علمت هذا الوجه الذي ذكرنا في تفسير الآية ، وما استدل عليه قائله به من القرآن . فاعلم أن الوجه الآخر في معنى الآية : أن اللّه أخرج جميع ذرية آدم من ظهور الآباء في صورة الذر ، وأشهدهم على أنفسهم بلسان المقال : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ثم أرسل بعد ذلك الرسل مذكرة بذلك الميثاق الذي نسيه الكل ولم يولد أحد منهم وهو ذاكر له وإخبار الرسل به يحصل به اليقين بوجوده . قال مقيده - عفا اللّه عنه - هذا الوجه الأخير يدل له الكتاب والسنة . أما وجه دلالة القرآن عليه ، فهو أن مقتضى القول الأول أن ما أقام اللّه لهم من البراهين القطعية كخلق السماوات والأرض ، وما فيهما من غرائب صنع اللّه ؛ الدالة على أنه الرب المعبود وحده ، وما ركز فيهم من الفطرة التي فطرهم عليها تقوم عليهم به الحجة ، ولو لم يأتيهم نذير والآيات القرآنية مصرحة بكثرة ، بأن اللّه تعالى لا يعذب أحدا حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل ، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة ، وما ركز من الفطرة ، فمن ذلك قوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء : 15 ] فإنه قال فيها : حتى نبعث رسولا ، ولم يقل حتى نخلق عقولا ، وننصب أدلة ، ونركز فطرة . ومن ذلك قوله تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النساء : 165 ] الآية ، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس ، وينقطع به عذرهم : هو إنذار الرسل لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة . وهذه الحجة التي بعث الرسل لقطعها بينها في « طه » بقوله : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى ( 134 ) [ طه : 134 ] ، وأشار لها في « القصص » بقوله : وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا