الشنقيطي
252
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) [ القصص : 47 ] ، ومن ذلك أنه تعالى صرح بأن جميع أهل النار قطع عذرهم في الدنيا بإنذار الرسل ، ولم يكتف في ذلك بنصب الأدلة كقوله تعالى : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ( 9 ) [ الملك : 8 - 9 ] ، وقوله تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 71 ) [ الزمر : 71 ] ، ومعلوم أن لفظة كلما في قوله : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ صيغة عموم ، وأن لفظة الذين في قوله : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا صيغة عموم أيضا ، لأن الموصول يعم كلما تشمله صلته . وأما السنة : فإنه قد دلت أحاديث كثيرة على أن اللّه أخرج ذرية آدم في صورة الذر فأخذ عليهم الميثاق « 1 » كما ذكر هنا ، وبعضها صحيح قال القرطبي في تفسير هذه الآية : قال أبو عمر - يعني ابن عبد البر - لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب « 2 » رضي اللّه عنه وعبد اللّه بن مسعود « 3 » ، وعلي بن أبي طالب « 4 » ، وأبي هريرة « 5 » رضي اللّه عنهم أجمعين وغيرهم ا ه . محل الحاجة منه بلفظه ، وهذا الخلاف الذي ذكرنا هل يكتفي في الإلزام بالتوحيد بنصب الأدلة ، أو لا بد من بعث الرسل لينذروا ؟ هو مبنى الخلاف المشهور عند أهل الأصول في أهل الفترة . هل يدخلون النار بكفرهم ؟ وحكى القرافي عليه الإجماع وجزم به النووي في [ شرح مسلم ] ، أو يعذرون بالفترة وهو ظاهر الآيات التي ذكرناها ، وإلى هذا الخلاف أشار في [ مراقي السعود ] بقوله : ذو فترة بالفرع لا يراع * وفي الأصول بينهم نزاع وقد حققنا هذه المسألة مع مناقشة أدلة الفريقين في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] في سورة « بني إسرائيل » في الكلام على قوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء : 15 ] ، ولذلك اختصرناها هنا . قوله تعالى : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ [ 176 ] الآية .
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : أحمد في المسند 1 / 272 ، وابن جرير الطبري في جامع البيان 9 / 75 ، 76 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في السنة حديث 4703 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3075 ، ومالك في القدر حديث 2 وابن جرير الطبري في جامع البيان 9 / 77 . ( 3 ) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 7 / 314 . ( 4 ) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 7 / 314 ، 315 . ( 5 ) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن حديث 3076 .