الشنقيطي

248

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ [ 137 ] الآية . لم يبين هنا هذه الكلمة الحسنى التي تمت عليهم ، ولكنه بينها في القصص بقوله : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ( 6 ) [ القصص : 5 - 6 ] . قوله تعالى : قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي [ 143 ] الآية . استدل المعتزلة النافون لرؤية اللّه بالأبصار يوم القيامة بهذه الآية على مذهبهم الباطل ، وقد جاءت آيات تدل على أن نفي الرؤية المذكور ، إنما هو في الدنيا ، وأما في الآخرة فإن المؤمنين يرونه جل وعلا بأبصارهم . كما صرح به تعالى في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 - 23 ] ، وقوله في الكفار : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) [ المطففين : 15 ] فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه جل وعلا . وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى : * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] الحسنى : الجنة ، والزيادة : النظر إلى وجه اللّه الكريم « 1 » ، وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى : وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ( 35 ) [ ق : 35 ] ، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم « 2 » ، وتحقيق المقام في المسألة : أن رؤية اللّه جل وعلا بالأبصار : جائزة عقلا في الدنيا والآخرة ، ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلا في دار الدنيا : قول موسى رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ 143 ] لأن موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق اللّه تعالى ، وأما شرعا فهي جائزة وواقعة في الآخرة كما دلت عليه الآيات المذكورة ، وتواترت به الأحاديث الصحاح ، وأما في الدنيا فممنوعة شرعا كما تدل عليه آية « الأعراف » هذه ، وحديث « إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا » « 3 » كما أوضحناه في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] . قوله تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ ( 148 ) [ 148 ] .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي موسى الأشعري : ابن جرير الطبري في جامع البيان ، 11 / 74 ، وأخرجه عن صهيب : مسلم في الإيمان حديث 297 و 298 . ( 2 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : البخاري في التفسير حديث 4581 ، ومسلم في الإيمان حديث 302 . ( 3 ) أخرجه عن أبي أمامة الباهلي : ابن ماجة في الفتن حديث 4077 . وأخرجه عن عبادة بن الصامت : أحمد في المسند 5 / 324 .