الشنقيطي

249

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بين في هذه الآية الكريمة سخافة عقول عبدة العجل ، ووبخهم على أنهم يعبدون ما لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ، وأوضح هذا في « طه » بقوله : أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ( 89 ) [ طه : 89 ] الآية ، وقد قدمنا في سورة « البقرة » أن جميع آيات اتخاذهم العجل إلاها حذف فيها المفعول الثاني في جميع القرآن كما في قوله هنا : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً الآية . أي اتخذوه إلاها ، وقد قدمنا أن النكتة في حذفه دائما التنبيه على أنه لا ينبغي التلفظ بأن عجلا مصطنعا من جماد إله ، وقد أشار تعالى إلى هذا المفعول المحذوف دائما في « طه » بقوله : فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [ طه : 88 ] . قوله تعالى : وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 149 ) [ 149 ] . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن عبدة العجل اعترفوا بذنبهم ، وندموا على ما فعلوا ، وصرح في سورة « البقرة » بتوبتهم ورضاهم بالقتل وتوبة اللّه جل وعلا عليهم بقوله : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) [ البقرة : 54 ] . قوله تعالى : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ [ 150 ] الآية . أوضح اللّه ما ذكره هنا بقوله في « طه » قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ( 86 ) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا [ طه : 86 - 87 ] الآية . قوله تعالى : وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي [ 150 ] الآية . أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى ما اعتذر به نبي اللّه هارون لأخيه موسى عما وجهه إليه من اللوم ، وأوضحه في « طه » بقوله : قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( 94 ) [ طه : 94 ] ، وصرح اللّه تعالى ببراءته بقوله : وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ( 90 ) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ( 91 ) [ طه : 90 - 91 ] . قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ 158 ] . هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأنه صلى اللّه عليه وسلم رسول إلى جميع الناس ، وصرح بذلك في آيات كثيرة كقوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ سبأ : 28 ] ، وقوله : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ