الشنقيطي

241

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ذكر في هذه الآية الكريمة : أن رحمته جل وعلا قريب من عباده المحسنين ، وأوضح في موضع آخر صفات عبيده الذين سيكتبها لهم في قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ الأعراف : 156 ] الآية . ووجه تذكير وصف الرحمة مع أنها مؤنثة في قوله : قَرِيبٌ ولم يقل قريبة ، فيه للعلماء أقوال تزيد على العشرة . نذكر منها إن شاء اللّه بعضا ، ونترك ما يظهر لنا ضعفه أو بعده عن الظاهر . منها : أن الرحمة مصدر بمعنى الرحم ، فالتذكير باعتبار المعنى . ومنها أن من أساليب اللغة العربية أن القرابة إذا كانت قرابة نسب تعين التأنيث فيها في الأنثى فتقول : هذا المرأة قريبتي أي في النسب ولا تقول : قريب مني ؛ وإن كانت قرابة مسافة جاز التذكير والتأنيث . فتقول : داره قريب وقريبة مني ، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ( 17 ) [ الشورى : 17 ] ، وقوله تعالى : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ( 63 ) [ الأحزاب : 63 ] وقول امرئ القيس : له الويل إن أمسى ولا أم هاشم * قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا ومنها : أن وجه ذلك إضافة الرحمة إلى اللّه جل وعلا . ومنها : أن قوله قَرِيبٌ صفة موصوف محذوف أي شيء قريب من المحسنين . ومنها : أنها شبهت بفعيل بمعنى مفعول الذي يستوي فيه الذكر والأنثى . ومنها : أن الأسماء التي على فعيل ربما شبهت بالمصدر الآتي على فعيل ، فأفردت لذلك ؛ قال بعضهم : ولذلك أفرد الصديق في قوله : أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ [ النور : 61 ] ، وقول الشاعر : وهن صديق لمن لم يشب ا ه والظهير في قوله : وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ( 4 ) [ التحريم : 4 ] إلى غير ذلك من الأوجه . قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [ 57 ] . قراءة عاصم بُشْراً بضم الباء الموحدة ، وإسكان الشين : جمع بشير ، لأنها تنتشر أمام المطر مبشرة به ، وهذا المعنى يوضحه قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [ الروم : 46 ] الآية ، وقوله : بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ، يعني برحمته المطر كما جاء مبينا في غير هذا الموضع كقوله : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [ الشورى : 28 ] الآية ، وقوله : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ