الشنقيطي

216

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

6 ] وقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ الشعراء : 3 ] . ويؤيد الوجه الأخير في الآية أن الحرج في لغة العرب : الضيق . وذلك معروف في كلامهم ، ومنه قوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ [ النور : 61 ] ، وقوله : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] ، وقوله : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [ الأنعام : 125 ] أي شديد الضيق إلى غير ذلك من الآيات ، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة ، أو جميل : فخرجت خوف يمينها فتبسمت * فعلمت أن يمينها لم تحرج وقول العرجي : عوجي علينا ربة الهودج * إنك إلا تفعلي تحرجي والمراد بالإحراج في البيتين : الإدخال في الحرج . بمعنى الضيق كما ذكرنا . قوله تعالى : لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [ 2 ] . لم يبين هنا المفعول به لقوله لتنذر ، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) [ مريم : 97 ] ، وقوله : لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ [ يس : 6 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . كما أنه بين المفعول الثاني للإنذار في آيات أخر ، كقوله لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ [ الكهف : 2 ] الآية ، وقوله : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) [ الليل : 14 ] ، وقوله : إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً [ النبأ : 40 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد جمع تعالى في هذه الآية الكريمة بين الإنذار والذكرى في قوله : لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) فالإنذار للكفار ، والذكرى للمؤمنين ، ويدل لذلك قوله تعالى : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) [ مريم : 97 ] ، وقوله : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) [ الذاريات : 55 ] ، وقوله : فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ( 45 ) [ ق : 45 ] . ولا ينافي ما ذكرنا من أن الإنذار للكفار ، والذكرى للمؤمنين . أنه قصر الإنذار على المؤمنين دون غيرهم في قوله تعالى : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ( 11 ) [ يس : 11 ] . لأنه لما كان الانتفاع بالإنذار مقصورا عليهم ، صار الإنذار كأنه مقصور عليهم ، لأن ما نفع فيه فهو كالعدم . ومن أساليب اللغة العربية : التعبير عن قليل النفع بأنه لا شيء . وحاصل تحرير المقام في هذا المبحث : أن الإنذار يطلق في القرآن إطلاقين . أحدهما : عام لجميع الناس كقوله : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) [ المدثر : 1 - 2 ] ، وقوله : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) [ الفرقان : 1 ] .