الشنقيطي
217
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وهذا الإنذار العام : هو الذي قصر على المؤمنين قصرا إضافيا في قوله : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ الآية . لأنهم هم المنتفعون به دون غيرهم . والثاني : إنذار خاص بالكفار لأنهم هم الواقعون فيما أنذروا به من النكال والعذاب ، وهو الذي يذكر في القرآن مبينا أنه خاص بالكفار دون المؤمنين كقوله : لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) ، وقوله هنا : لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) ا ه . والإنذار في اللغة العربية : الإعلام المقترن بتهديد ، فكل إنذار إعلام ، وليس كل إعلام إنذارا . قوله تعالى : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ( 4 ) [ 4 ] . خوف اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة الكفار الذين كذبوه صلى اللّه عليه وسلم ، بأنه أهلك كثيرا من القرى بسبب تكذيبهم الرسل ، فمنهم من أهلكها بياتا أي ليلا ، ومنهم من أهلكها وهم قائلون ، أي في حال قيلولتهم ، والقيلولة : الاستراحة وسط النهار . يعني : فاحذروا تكذيب رسولي صلى اللّه عليه وسلم لئلا أنزل بكم مثل ما أنزلت بهم ، وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) [ الأنعام : 10 ] ، وقوله : فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ( 45 ) [ الحج : 45 ] ، وقوله : وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ( 58 ) [ القصص : 58 ] ، وقوله : * أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [ محمد : 10 ] ، ثم بين أنه يريد تهديدهم بذلك بقوله : وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها ( 10 ) [ محمد : 10 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقد هدد تعالى أهل القرى بأن يأتيهم عذابه ليلا في حالة النوم ، أو ضحى في حالة اللعب ، في قوله تعالى : أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ( 97 ) أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 98 ) [ الأعراف : 97 - 98 ] . وهدد أمثالهم من الذين مكروا السيئات بقوله تعالى : أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 45 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 46 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [ النحل : 45 - 47 ] . قوله تعالى : فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 5 ) [ 5 ] . وبين تعالى في هذه الآية الكريمة أن تلك القرى الكثيرة التي أهلكها في حال البيات ، أو في حال القيلولة ، لم يكن لهم من الدعوى إلا اعترافهم بأنهم كانوا ظالمين . وأوضح هذا المعنى في قوله : وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً