الشنقيطي
200
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
واحتج من أباحه - وهم الجمهور - بأن الحديث لم يثبت ، ولا تحريم إلا بدليل . قال البيهقي في السنن الكبرى : - بعد أن ساق حديث أبي هريرة المذكور في خبث القنفذ - هذا حديث لم يرو إلا بهذا الإسناد ، وهو إسناد فيه ضعف . وممن كره أكل القنفذ ؛ أبو حنيفة وأصحابه . قاله القرطبي وغيره . ومن ذلك حشرات الأرض ، كالفأرة ، والحيات ، والأفاعي ، والعقارب ، والخنفساء : والعظاية ، والضفادع ، والجرذان ، والوزغ ، والصراصير ، والعناكب ، وسام أبرص ، والجعلان ، وبنات وردان ، والديدان ، وحمار قبان ، ونحو ذلك . فجمهور العلماء على تحريم أكل هذه الأشياء لأنها مستخبثة طبعا ، واللّه تعالى يقول : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [ الأعراف : 157 ] . ومن قال بذلك الشافعي وأبو حنيفة ، وأحمد وابن شهاب وعروة وغيرهم - رحمهم اللّه تعالى - . ورخص في أكل ذلك : مالك ، واشتراط في جواز أكل الحيات أن يؤمن سمها . وممن روي عنه الترخيص في أكل الحشرات ، الأوزاعي ، وابن أبي ليلى ، واحتجوا بما رواه أبو داود « 1 » والبيهقي « 2 » ، من حديث ملقام بن تلب ، عن أبيه تلبّ بن ثعلبة بن ربيعة التميمي العنبري ، رضي اللّه عنه قال : صحبت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما . واحتجوا أيضا بأن اللّه حرم أشياء ، وأباح أشياء ، فما حرم فهو حرام ، وما أباح فهو مباح ، وما سكت عنه فهو عفو . وقالت عائشة ، رضي اللّه عنها في الفأرة : ما هي بحرام ، وقرأت قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [ الأنعام : 145 ] الآية . ويجاب عن هذا بأن ملقام بن تلبّ مستور لا يعرف حاله ، وبأن قول أبيه تلبّ بن ثعلبة ، رضي اللّه عنه ، لم أسمع لحشرة الأرض تحريما لا يدل على عدم تحريمها ، كما قاله الخطابي ، والبيهقي ؛ لأن عدم سماع صحابي لشيء لا يقتضي انتفاءه كما هو معلوم ، وبأنه تعالى لم يسكت عن هذا ؛ لأنه حرم الخبائث ، وهذه خبائث لا يكاد طبع سليم يستسيغها ، فضلا عن أن يستطيبها ، والذين يأكلون مثل هذه الحشرات من العرب ، إنما يدعوهم لذلك شدة الجوع ، كما قال أحد شعرائهم : أكلنا الربى يا أم عمرو ومن يكن * غريبا لديكم يأكل الحشرات
--> ( 1 ) كتاب الأطعمة حديث 3798 . ( 2 ) السنن الكبرى ، كتاب الضعايا 9 / 326 .