الشنقيطي
188
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
« أنه نهى عن أكل كلّ ذي ناب من السباع » « 1 » ثم ساق بإسناده حديث أبي هريرة مرفوعا : « أكل كل ذي ناب من السباع حرام » « 2 » ثم قال : وهو الأمر عندنا وهذا صريح في أن الصحيح عنده تحريمها ، وجزم القرطبي بأن هذا هو الصحيح من مذهبه ، وروي عنه أيضا أنها مكروهة وهو ظاهر المدونة وهو المشهور عند أهل مذهبه ، ودليل هذا القول هو الآيات التي ذكرنا ، ومن جملتها الآية التي نحن بصددها . وما روى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة من إباحتها ، وهو قول الأوزاعي . قال مقيده - عفا اللّه عنه - الذي يظهر رجحانه بالدليل هو ما ذهب إليه الجمهور من أن كل ما ثبت تحريمه بطريق صحيحة من كتاب أو سنة فهو حرام ، ويزاد على الأربعة المذكورة في الآيات ، ولا يكون في ذلك أي مناقضة للقرآن لأن المحرمات المزيدة عليها حرمت بعدها . وقد قرر العلماء أنه لا تناقض يثبت بين القضيتين إذا اختلف زمنهما لاحتمال صدق كل منهما في وقتها ، وقد اشترط عامة النظار في التناقض : اتحاد الزمان ، لأنه إن اختلف جاز صدق كل منهما في وقتها ، كما لو قلت : لم يستقبل بيت المقدس قد استقبل بيت المقدس ، وعنيت بالأولى ما بعد النسخ ، وبالثانية ما قبله ، فكلتاهما تكون صادقة ، وقد أشرت في أرجوزتي في فن المنطق إلى أنه يشترط في تناقض القضيتين اتحادهما فيما سوى الكيف . أعني الإيجاب والسلب ، من زمان ومكان ، وشرط وإضافة ، وقوة وفعل ، وتحصيل وعدول ، وموضوع ومحمول ، وجزء وكل ، بقولي : والاتحاد لازم بينهما * فيما سوى الكيف كشرط علما والجزء والكل مع المكان * والفعل والقوة والزمان إضافة تحصيل أو عدول * ووحدة الموضوع والمحمول فوقت نزول الآيات المذكورة لم يكن حراما غير الأربعة المذكورة ، فحصرها صادق قبل تحريم غيرها بلا شك ، فإذا طرأ تحريم شيء آخر بأمر جديد . فذلك لا ينافي الحصر الأول لتجدده بعده ، وهذا هو التحقيق إن شاء اللّه تعالى ، وبه يتضح أن الحق جواز نسخ المتواتر بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه ، وإن منعه أكثر أهل الأصول . وإذا عرفت ذلك : فسنفصل لك إن شاء اللّه تعالى المحرمات التي حرمت بعد هذا ،
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي ثعلبة الخشني : مالك في الصيد حديث 13 ، والبخاري في الذبائح والصيد حديث 5530 ، ومسلم في الصيد والذبائح حديث 14 . وأخرجه عن ابن عباس : مسلم في الصيد والذبائح حديث 16 ، وأبو داود في الأطعمة حديث 3803 و 3805 ، والنسائي في الصيد والذبائح ، باب إباحة أكل لحوم الدجاج ، وابن ماجة في الصيد حديث 3234 ، وأحمد في المسند 1 / 332 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الضحايا 9 / 315 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : مالك في الصيد حديث 14 ، ومسلم في الصيد والذبائح حديث 15 .