الشنقيطي
179
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الثلثين فلا يقبل قوله في الجميع ، وهذا التفصيل هو مذهب الشافعي ، وأحمد إلا أن بعض الشافعية قال ، يسقط عنه من الكثير الذي ادعى قدر النقص الذي تقبل دعواه فيه ، وأما إن ادعى أن الخارص جار عليه عمدا ، فلا تقبل دعواه عليه بلا خلاف ، كما لو ادعى جور الحاكم ، أو كذب الشاهد ، وكذا إذا ادعى أنه غلط في الخرص ، ولم يبين قدر ما زاد لم يقبل منه نص عليه علماء الشافعية ، وإن ادعى رب الثمر أنه أصابته جائحة أذهبت بعضه ، فالظاهر تصديقه فيما يشبه قوله ، كما لو ادعى أن بعضه سرق بالليل مثلا قيل بيمين . وقيل : لا وإن أضاف هلاك الثمرة إلى سبب يكذبه الحس ، كأن يقول هلكت بحريق وقع في الجرين في وقت كذا ، وعلمنا أنه لم يحترق في ذلك الوقت لم يلتفت إلى كلامه ، فإن علم وقوع السبب الذي ذكر ، وعموم أثره صدق بلا يمين ، وإن اتهم حلف ، قيل : وجوبا ، وقيل : استحبابا ، وإن لم يعرف عدم السبب المذكور ولا وجوده ، فالصحيح أنه يكلف بالبينة على وجود أصل السبب ، ثم القول قوله في الهلاك به ، وهذا التفصيل الأخير للشافعية ذكره النووي في شرح المهذب ، ووجهه ظاهر ، واللّه تعالى أعلم . وجمهور العلماء على أنه لا يخرص غير التمر ، والزبيب ، فلا يخرص الزيتون والزرع ولا غيرهما ، وأجازه بعض العلماء في الزيتون ، وأجازه بعضهم في سائر الحبوب . والصحيح أنه لا يجوز إلا في التمر والعنب لثلاثة أمور : الأول : أن النص الدال على الخرص لم يرد إلا فيهما كما تقدم في حديث عتاب بن أسيد وغيره من الأحاديث . الثاني : أن غيرهما ليس في معناهما ، لأن الحاجة تدعوا غالبا إلى أكل الرطب قبل أن يكون تمرا ، والعنب قبل أن يكون زبيبا ، وليس غيرهما كذلك . الثالث : أن ثمرة النخل ظاهرة مجتمعة في عذوقها ، والعنب ظاهر أيضا مجتمع في عناقيده ، فحزرهما ممكن بخلاف غيرهما من الحبوب ، فإنه متفرق في شجره والزرع مستتر في سنبله . والظاهر أن ما جرت العادة بالحاجة إلى أكله لا يحسب ، لما قدمنا ، وقال المالكية يحسب عليهم كلما أكلوه من الحب ، ولا يحسب ما تأكله الدواب في درسها . * * * المسألة الثانية : لا يجوز إخراج زكاة الثمار إلا من التمر اليابس والزبيب اليابس ، وكذلك زكاة الحبوب لا يجوز إخراجها ، إلا من الحب اليابس بعد التصفية ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء ، وأجرة القيام على الثمار والحبوب حتى تيبس وتصفى من خالص مال رب الثمرة والزرع ، فإن دفع زكاة التمر بسرا أو رطبا أو دفع زكاة الزبيب عنبا لم يجزه ذلك ، لأنه دفع غير الواجب ، لأن الواجب تمر وزبيب يابسان إجماعا .