الشنقيطي
125
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تحريم المدينة ، ومحتمل لأن يكون صيد في الحل ، ثم أدخل المدينة . وقد استدل به بعض العلماء على جواز إمساك الصيد الذي صيد في الحل وإدخاله المدينة ، وما كان محتملا لهذه الاحتمالات لا تعارض به النصوص الصريحة الصحيحة الكثيرة التي لا لبس فيها ولا احتمال ، فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء القائلين بحرمة المدينة ، وهم جمهور علماء الأمة اختلفوا في صيد حرم المدينة هل يضمنه قاتله أو لا ؟ وكذلك شجرها ، فذهب كثير من العلماء منهم مالك والشافعي في الجديد ، وأصحابهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وعليه أكثر أهل العلم إلى أنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام ، فلم يجب فيه جزاء كصيد وج . واستدلوا أيضا بقوله صلى اللّه عليه وسلم « المدينة حرم ما بين عير وثور ، فمن أحدث فيها حدثا ، أو آوى فيها محدثا فعليه لعنه اللّه والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا » « 1 » ، فذكره صلى اللّه عليه وسلم لهذا الوعيد الشديد في الآخرة ، ولم يذكر كفارة في الدنيا دليل على أنه لا كفارة تجب فيه في الدنيا ، وهو ظاهر . وقال ابن أبي ذئب ، وابن المنذر : يجب في صيد الحرم المدني الجزاء الواجب في صيد الحرم المكي ، وهو قول الشافعي في القديم . واستدل أهل هذا القوم بأنه صلى اللّه عليه وسلم صرح في الأحاديث الصحيحة المتقدمة بأنه حرم المدينة مثل تحريم إبراهيم لمكة ، ومماثلة لتحريمها تقتضي استواءهما في جزاء من انتهك الحرمة فيهما . قال القرطبي ، قال القاضي عبد الوهاب : وهذا القول أقيس عندي على أصولنا لا سيما أن المدينة عند أصحابنا أفضل من مكة ، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في المسجد الحرام ا ه . قال مقيده عفا اللّه عنه : ومذهب الجمهور في تفضيل مكة ، وكثرة مضاعفة الصلاة فيها زيادة على المدينة بمائة ضعف أظهر لقيام الدليل عليه ، واللّه تعالى أعلم . وذهب بعض من قال بوجوب الجزاء في الحرم المدني إلى أن الجزاء فيه هو أخذ سلب قاتل الصيد ، أو قاطع الشجر فيه . قال مقيده عفا اللّه عنه : وهذا القول هو أقوى الأقوال دليلا ؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه « أنه ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا ، أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه ، أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم فقال : معاذ اللّه أن أرد شيئا نفلنيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبى أن يرده
--> ( 1 ) سبق تخريجه .