الشنقيطي
115
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقال بعض العلماء : لا يتجاوز صيام الجزاء شهرين ؛ لأنهما أعلى الكفارات ، واختاره ابن العربي ، وله وجه من النظر ، ولكن ظاهر الآية يخالفه . وقال يحيى بن عمر من المالكية : إنما يقال : كم رجلا يشبع من هذا الصيد ، فيعرف العدد ، ثم يقال : كم من الطعام يشبع هذا العدد ؟ فإن شاء أخرج ذلك الطعام ، وإن شاء صام عدد أمداده ، قال القرطبي : وهذا قول حسن احتاط فيه ؛ لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة ، فبهذا النظر يكثر الإطعام . واعلم أن الأنواع الثلاثة واحد منها يشترط له الحرم إجماعا ، وهو الهدي كما تقدم ، وواحد لا يشترط له الحرم إجماعا ، وهو الصوم ، وواحد اختلف فيه ، وهو الإطعام . فذهب بعض العلماء : إلى أنه لا يطعم إلا في الحرم ، وذهب بعضهم إلى أنه يطعم في موضع إصابة الصيد ، وذهب بعضهم إلى أنه يطعم حيث شاء . وأظهرها أنه حق لمساكين الحرم ؛ لأنه بدل عن الهدي ، أو نظير له ، وهو حق لهم إجماعا ، كما صرح به تعالى بقوله : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [ المائدة : 95 ] ، وأما الصوم فهو عبادة تختص بالصائم لا حق فيها لمخلوق ، فله فعلها في أي موضع شاء . وأما إن كان الصيد لا مثل له من النعم كالعصافير ؛ فإنه يقوم ، ثم يعرف قدر قيمته من الطعام ، فيخرجه لكل مسكين مد ، أو يصوم عن كل مد يوما . فتحصل أن ماله مثل من النعم يخير فيه بين ثلاثة أشياء : هي الهدي ، بمثله ، والإطعام ، والصيام . وأن ما لا مثل له يخير فيه بين شيئين فقط : وهما الإطعام ، والصيام على ما ذكرنا . واعلم أن المثل من النعم له ثلاث حالات : الأولى : أن يكون تقدم فيه حكم من النبي صلى اللّه عليه وسلم . الثانية : أن يكون تقدم فيه حكم من عدلين من الصحابة ، أو التابعين مثلا . الثالثة : ألا يكون تقدم فيه حكم منه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا منهم رضي اللّه عنهم . فالذي حكم صلى اللّه عليه وسلم فيه لا يجوز لأحد الحكم فيه بغير ذلك ، وذلك كالضبع ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم قضى فيها بكبش ، قال ابن حجر في التلخيص ما نصه : حديث « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قضى في الضبع بكبش » أخرجه أصحاب السنن ، وابن حبان وأحمد ، والحاكم في [ المستدرك ] من طريق عبد الرحمن بن أبي عمار عن جابر بلفظ سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الضبع فقال : « هو صيد ، ويجعل فيه كبش إذا أصابه الحرم » ، ولفظ الحاكم « جعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الضبع يصيبه المحرم كبشا » ، وجعله من الصيد وهو عند ابن ماجة إلا أنه لم يقل نجديا ، قال الترمذي : سألت عنه البخاري فصححه ، وكذا صححه عبد الحق وقد أعل بالوقف . وقال البيهقي : هو حديث جيد تقوم به