أبي حيان الأندلسي
13
البحر المحيط في التفسير
رأى ربه مرتين . وانتصب نزلة ، قال الزمخشري : نصب الظرف الذي هو مرة ، لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل . وقال الحوفي وابن عطية : مصدر في موضع الحال . وقال أبو البقاء : مصدر ، أي مرة أخرى ، أو رؤية أخرى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ، قيل : هي شجرة نبق في السماء السابعة . وقيل : في السماء السادسة ، ثمرها كقلال هجر ، وورقها كآذان الفيلة . تنبع من أصلها الأنهار التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه ، يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها . والمنتهى موضع الانتهاء ، لأنه ينتهي إليها علم كل عالم ، ولا يعلم ما وراءها صعدا إلا اللّه تعالى عزّ وجل ؛ أو ينتهي إليها كل من مات على الإيمان من كل جيل ؛ أو ينتهي إليها ما نزل من أمر اللّه تعالى ، ولا تتجاوزها ملائكة العلو وما صعد من الأرض ، ولا تتجاوزها ملائكة السفل ؛ أو تنتهي إليها أرواح الشهداء ؛ أو كأنها في منتهى الجنة وآخرها ؛ أو تنتهي إليها الملائكة والأنبياء ويقفون عندها ؛ أو ينتهي إليها علم الأنبياء ويعزب علمهم عن ما وراءها ؛ أو تنتهي إليها الأعمال ؛ أو لانتهاء من رفع إليها في الكرامة ، أقوال تسعة . عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى : أي عند السدرة ، قيل : ويحتمل عند النزلة . قال الحسن : هي الجنة التي وعدها اللّه المؤمنين . وقال ابن عباس : بخلاف عنه ؛ وقتادة : هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء ، وليست بالتي وعد المتقون جنة النعيم . وقيل : جنة : مأوى الملائكة . وقرأ علي وأبو الدرداء وأبو هريرة وابن الزبير وأنس وزر ومحمد بن كعب وقتادة : جنه ، بهاء الضمير ، وجن فعل ماض ، والهاء ضمير النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي عندها ستره إيواء اللّه تعالى وجميل صنعه . وقيل : المعنى ضمه المبيت والليل . وقيل : جنه بظلاله ودخل فيه . وردّت عائشة وصحابة معها هذه القراءة وقالوا : أجن اللّه من قرأها ؛ وإذا كانت قراءة قرأها أكابر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فليس لأحد ردّها . وقيل : إن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أجازتها . وقراءة الجمهور : جَنَّةُ الْمَأْوى ، كقوله في آية أخرى : فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا « 1 » . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى : فيه بإبهام الموصول وصلته تعظيم وتكثير للغاشي الذي يغشاه ، إذ ذاك أشياء لا يعلم وصفها إلا اللّه تعالى . وقيل : يغشاها الجم الغفير من الملائكة ، يعبدون اللّه عندها . وقيل : ما يغشى من قدرة اللّه تعالى ، وأنواع الصفات التي
--> ( 1 ) سورة السجدة : 32 / 19 .