أبي حيان الأندلسي

14

البحر المحيط في التفسير

يخترعها لها . وقال ابن مسعود وأنس ومسروق ومجاهد وإبراهيم : ذلك جراد من ذهب كان يغشاها . وقال مجاهد : ذلك تبدل أغصانها درّا وياقوتا . وروي في الحديث : « رأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح اللّه تعالى » . وأيضا : يغشاها رفرف أخضر ، وأيضا : تغشاها ألوان لا أدري ما هي . وعن أبي هريرة : يغشاها نور الخلاق . وعن الحسن : غشيها نور رب العزة فاستنارت . وعن ابن عباس : غشيها رب العزة ، أي أمره ، كما جاء في صحيح مسلم مرفوعا ، فلما غشيها من أمر اللّه ما غشي ، ونظير هذا الإبهام للتعظيم : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ، وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى فَغَشَّاها ما غَشَّى . ما زاغَ الْبَصَرُ ، قال ابن عباس : ما مال هكذا ولا هكذا . وقال الزمخشري : أي أثبت ما رآه إثباتا مستيقنا صحيحا من غير أن يزيغ بصره أو يتجاوزه ، إذ ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها ، وَما طَغى : وما جاوز ما أمر برؤيته . انتهى . وقال غيره : وَما طَغى : ولا تجاوز المرئي إلى غيره ، بل وقع عليه وقوعا صحيحا ، وهذا تحقيق للأمر ، ونفي للريب عنه . لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ، قيل : الكبرى مفعول رأى ، أي رأى الآيات الكبرى والعظمى التي هي بعض آيات ربه ، أي حين رقي إلى السماء رأى عجائب الملكوت ، وتلك بعض آيات اللّه . وقيل : مِنْ آياتِ هو في موضع المفعول ، والكبرى صفة لآياته ربه ، ومثل هذا الجمع يوصف بوصف الواحدة ، وحسن ذلك هنا كونها فاصلة ، كما في قوله : لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى « 1 » ، عند من جعلها صفة لآياتنا . وقال ابن عباس وابن مسعود : أي رفرف أخضر قد سد الأفق . وقال ابن زيد : رأى جبريل في الصورة التي هو بها في السماء . أَ فَرَأَيْتُمُ : خطاب لقريش . ولما قرر الرسالة أولا ، وأتبعه من ذكر عظمة اللّه وقدرته الباهرة بذكر التوحيد والمنع عن الإشراك باللّه تعالى ، وقفهم على حقارة معبوداتهم ، وهي الأوثان ، وأنها ليست لها قدرة . واللات : صنم كانت العرب تعظمه . قال قتادة : كان بالطائف . وقال أبو عبيدة وغيره : كان في الكعبة . وقال ابن زيد : كان بنخلة عند سوق عكاظ . قال ابن عطية : وقول قتادة أرجح ، ويؤيده قوله الشاعر : وفرت ثقيف إلى لاتها * بمنقلب الخائب الخاسر انتهى .

--> ( 1 ) سورة طه : 20 / 23 .