أبي حيان الأندلسي

12

البحر المحيط في التفسير

ذلك عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، وقالت : أنا سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن هذه الآيات ، فقال لي : « هو جبريل عليه السلام فيها كلها » . وقال الحسن : المعنى ما رأى من مقدورات اللّه تعالى وملكوته . وسأل أبو ذر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هل رأيت ربك ؟ فقال : « نوراني أراه » . وحديث عائشة قاطع لكل تأويل في اللفظ ، لأن قول غيرها إنما هو منتزع من ألفاظ القرآن ، وليست نصا في الرؤية بالبصر ، بلا ولا بغيره . وقرأ أبو رجاء وأبو جعفر وقتادة والجحدري وخالد بن الياس وهشام عن ابن عامر : ما كذب مشددا . وقال كعب الأحبار : إن اللّه قسم الرؤية والكلام بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام ، فكلم موسى مرتين ، ورآه محمد صلى اللّه عليه وسلم مرتين . وقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها : لقد وقف شعري من سماع هذا ، وقرأت : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ « 1 » ، وذهبت هي وابن مسعود وقتادة والجمهور إلى أن المرئي مرتين هو جبريل ، مرة في الأرض ، ومرة عند سدرة المنتهى . وقرأ الجمهور : أَ فَتُمارُونَهُ : أي أتجادلونه على شيء رآه ببصره وأبصره ، وعدى بعلى لما في الجدال من المغالبة ، وجاء يرى بصيغة المضارع ، وإن كانت الرؤية قد مضت ، إشارة إلى ما يمكن حدوثه بعد . وقرأ علي وعبد اللّه وابن عباس والجحدري ويعقوب وابن سعدان وحمزة والكسائي : بفتح التاء وسكون الميم ، مضارع مريت : أي جحدت ، يقال : مريته حقه ، إذا جحدته ، قال الشاعر : لئن سخرت أخا صدق ومكرمة * لقد مريت أخا ما كان يمريكا وعدى بعلى على معنى التضمين . وكانت قريش حين أخبرهم صلى اللّه عليه وسلم بأمره في الإسراء ، كذبوا واستخفوا ، حتى وصف لهم بيت المقدس وأمر غيرهم ، وغير ذلك مما هو مستقصى في حديث الإسراء . وقرأ عبد اللّه فيما حكى ابن خالويه ، والشعبي فيما ذكر شعبة : بضم التاء وسكون الميم ، مضارع أمريت . قال أبو حاتم : وهو غلط . وَلَقَدْ رَآهُ : الضمير المنصوب عائد على جبريل عليه السلام ، قال ابن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع . نَزْلَةً أُخْرى : أي مرة أخرى ، أي نزل عليه جبريل عليه السلام مرة أخرى في صورة نفسه ، فرآه عليها ، وذلك ليلة المعراج . وأخرى تقتضي نزلة سابقة ، وهي المفهومة من قوله : ثُمَّ دَنا جبريل ، فَتَدَلَّى : وهو الهبوط والنزول من علو . وقال ابن عباس وكعب الأحبار : الضمير عائد على اللّه ، على ما سبق من قولهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 103 .