أبي حيان الأندلسي
501
البحر المحيط في التفسير
نسائه ، إنه لم يبن بها ، ولا أرخى عليها حجابا ، وقد أبانتها منه ردتها مع قومها . فسكن أبو بكر ، وذهب عمر إلى أن لا يشهد جنازة زينب إلا ذو محرم عنها ، مراعاة للحجاب ، فدلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش في القبة ، وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة ، ومنعه عمر . وروي أنه صنع ذلك في جنازة فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ : عام في كل ما يتأذى به ، وَلا أَنْ تَنْكِحُوا : خاص بعد عام ، لأن ذلك يكون أعظم الأذى ، فحرم اللّه نكاح أزواجه بعد وفاته . إِنَّ ذلِكُمْ : أي إذايته ونكاح أزواجه ، كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً : وهذا من أعلام تعظيم اللّه لرسوله ، وإيجابه حرمته حيا وميتا ، وإعلامه بذلك مما طيب به نفسه ، فإن نحو هذا مما يحدث به المرء نفسه . ومن الناس من تفرط غيرته على حرمته حتى يتمنى لها الموت ، لئلا تنكح من بعده ، وخصوصا العرب ، فإنهم أشد الناس غيرة . وحكى الزمخشري أن بعض الفتيان قبّل جارية كان يحبها في حكاية قال : تصورا لما عسى أن يتفق من بقائها بعده ، وحصولها تحت يد غيره . انتهى . فقال لما عسى ، فجعل عسى صلة للموصول ، وقد كثر منه هذا وهو لا يجوز . وعن بعض الفقهاء ، أن الزوج الثاني في هدير الثلث يجري مجرى العقوبة ، فعنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، عملا يلاحظ ذلك . إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ : وعيد لما تقدم التعرض به في الآية ممن أشير إليه بقوله : ذلِكُمْ أَطْهَرُ ، ومن أشير إليه : وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا ، فقيل : إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً على ألسنتكم ، أَوْ تُخْفُوهُ في صدوركم ، مما يقع عليه العقاب ، فاللّه يعلمه ، فيجازي عليه . وقال : شَيْئاً ، ليدخل فيه ما يؤذيه ، عليه السلام ، من نكاحهن وغيره ، وهو صالح لكل باد وخاف . و روي أنه لما نزلت آية الحجاب قال : الآباء والأبناء والأقارب ، أو نحن يا رسول اللّه أيضا ، نكلمهن من وراء حجاب ، فنزلت : لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ : أي لا إثم عليهن . قال قتادة : في ترك الحجاب . وقال مجاهد : في وضع الجلباب وإبداء الزينة . وقال الشعبي : لم يذكر العم والخال ، وإن كانا من المحارم ، لئلا يصفا للأبناء ، وليسوا من المحارم . وقد كره الشعبي وعكرمة أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها ، وقيل : لأنهما يجريان مجرى الوالدين ، وقد جاءت تسمية العم أبا . وذكر هنا بعض المحارم ، والجميع في سورة النور . ودخل في : وَلا نِسائِهِنَّ ، الأمهات والأخوات وسائر القربات ، ومن يتصل بهن من المتطرفات لهن . وقال ابن زيد وغيره : أراد جميع النساء المؤمنات ، وتخصيص الإضافة إنما هي في الإيمان . وقال مجاهد : من أهل دينهن ، وهو كقول ابن زيد . والظاهر