أبي حيان الأندلسي
438
البحر المحيط في التفسير
بشر ، اقرءوا إن شئتم : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ » . وقال ابن مسعود : في التوراة مكتوب على اللّه للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إلى آخره . و فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ : نكرة في سياق النفي ، فيعم جميع الأنفس مما ادّخرا للّه تعالى لأولئك ، وأخفاه من جميع خلائقه مما تقر به أعينهم ، لا يعلمه إلا هو ، وهذه عدة عظيمة لا تبلغ الأفهام كنهها ، بل ولا تفاصيلها . وقال الحسن : أخفوا اليوم أعمالا في الدنيا ، فأخفى اللّه لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت . جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ، وهو تعالى الموفق للعمل الصالح . وقال الزمخشري : فحسم أطماع المتمنين . انتهى ، وهذه نزغة اعتزالية . أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً ، قال ابن عباس وعطاء : نزلت في علي والوليد بن عقبة . تلاحيا ، فقال له الوليد : أنا أذلق منك لسانا ، وأحدّ سنانا ، وأرد للكتيبة . فقال له علي : اسكت ، فإنك فاسق . قال الزمخشري : فنزلت عامة للمؤمنين والفاسقين ، فتناولتهما وكل من في مثل حالهما . وقال الزجاج ، والنحاس : نزلت في علي وعقبة بن أبي معيط . فعلى هذا تكون الآية مكية ، لأن عقبة لم يكن بالمدينة ، وإنما قتل بطريق مكة ، منصرف بدر . والجمع في لا يَسْتَوُونَ ، والتقسيم بعده ، حمل على معنى من . وقيل : لا يَسْتَوُونَ لاثنين ، وهو المؤمن والفاسق ، والتثنية جمع . وقال الزجاج : ونزول الآية في علي والوليد ، ثم بين انتفاء الاستواء بمقر كل واحد منهما بالإفراد . والجمهور : جَنَّاتُ بالجمع . وقيل : سميت بذلك لما روي عن ابن عباس ، قال : يأوي إليها أرواح الشهداء . وقيل : هي عن يمين العرش . وقرأ الجمهور : نُزُلًا بضم الزاي ؛ وأبو حيوة : بإسكانها . والنزل : عطاء النازل ، ثم صار عاما فيما يعد للضيف . وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا : أي بالكفر ، فَمَأْواهُمُ النَّارُ . قال الزمخشري : ويجوز أن يراد : فجنة مأواهم النار ، أي النار لهم مكان جنة المأوى للمؤمنين ، كقوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * « 1 » . انتهى وهذا فيه بعد . وإنما يذهب إلى مثل فَبَشِّرْهُمْ إذا كان مصرحا به فيقول : قام مقام التبشير العذاب ، وكذلك قام مقام التحية ضرب وجيع . أما أن تضمر شيئا لكلام مستغنى عنه جار على أحسن وجوه الفصاحة حتى يحمل الكلام على إضمار ، فليس بجيد . و الْعَذابِ الْأَدْنى ، قال أبيّ ، وابن عباس ، والضحاك ، وابن زيد : مصائب الدنيا في الأنفس والأموال . وقال ابن مسعود ، والحسن بن علي : هو القتل بالسيف ، نحو يوم
--> ( 1 ) سورة التوبة : 9 / 34 .