أبي حيان الأندلسي

439

البحر المحيط في التفسير

بدر . وقال مجاهد : القتل والجوع لقريش ، وعنه : إنه عذاب القبر . وقال النخعي ، ومقاتل : هو السّنون التي أجاعهم اللّه فيها . وقال ابن عباس أيضا : هو الحدود . وقال أبيّ أيضا : هو البطشة واللزام والدخان . و الْعَذابِ الْأَكْبَرِ ، قال ابن عطية : لا خلاف أنه عذاب الآخرة . وفي التحرير وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار . وقيل : هو القتل والسبي والأسر . وعن جعفر بن محمد : أنه خروج المهدي بالسيف . لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ، قال ابن مسعود : لعل من بقي منهم يتوب . وقال أبو العالية : لعلهم يتوبون . وقال مقاتل : يرجعون عن الكفر إلى الإيمان . وقيل : لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه لقوله : فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً . وسميت إرادة الرجوع رجوعا ، كما سميت إرادة القيام قياما في قوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا « 1 » . انتهى . ويقابل الأدنى : الأبعد ، والأكبر : الأصغر . لكن الأدنى يتضمن الأصغر ، لأنه منقض بموت المعذب والتخويف ، إنما يصلح بما هو قريب ، وهو العذاب العاجل . والأكبر يتضمن الأبعد ، لأنه واقع في الآخرة ، والتخويف بالبعيد إنما يصلح بذكر عظمه وشدته ، فحصلت المقابلة من حيث التضمن ، وخرج في كل منهما بما هو آكد في التخويف . وقال الزمخشري : فإن قلت : من أين صح تفسير الرجوع بالتوبة ؟ ولعل من اللّه إرادة ، وإذا أراد اللّه شيئا كان ولم يمتنع ، وتوبتهم مما لا يكون ، ألا ترى أنها لو كانت مما يكون لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر ؟ قلت : إرادة اللّه تتعلق بأفعاله وأفعال عباده ، فإذا أراد شيئا من أفعاله كان ، ولم يمنع للاقتدار وخلوص الداعي ؛ وأما أفعال عباده ، فإما أن يريدها وهم مختارون لها ومضطرون إليها بقسره وإلجائه ، فإن أرادها وقدرها فحكمها حكم أفعاله ، وإن أرادها على أن يختاروها وهو عالم أنهم لا يختارونها لم يقدح ذلك في اقتداره ، كما لا يقدح في اقتدارك إرادتك أن يختار عبدك طاعتك ، وهو لا يختارها ، لأن اختياره لا يتعلق بقدرتك ، فلم يكن بعده دالا على عجزك . انتهى ، وهو على مذهب المعتزلة ، وقد ردّ عليهم أهل السنة ، وذلك مقرر في علم الكلام . مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها ، بخلاف المؤمنين ، إذا ذكروا بها خروا سجدا . ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها ، قال الزمخشري : ثم للاستبعاد ، والمعنى : أن الإعراض عن مثل آيات اللّه في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل ، والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد في العقل ؛

--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 6 .