أبي حيان الأندلسي
378
البحر المحيط في التفسير
يتم كلامه الأول إلا إذا جعل فِي أَنْفُسِهِمْ محلا للتفكر ، وجعل ما خَلَقَ أيضا محلا ثانيا . أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ : هذا تقرير توبيخ ، أي قد ساروا ونظروا إلى ما حمل ممن كان قبلهم من مكذبي الرسل ، ووصف حالهم من الشدة وإثارة الأرض وعمارتها ، وأنهم أقوى منهم في ذلك . قال مجاهد : وَأَثارُوا الْأَرْضَ : حرثوها . وقال الفراء : قلبوها للزراعة . وقال غيرهما : قلبوا وجه الأرض لاستنباط المياه ، واستخراج المعادن ، وإلقاء البذر فيها للزراعة ؛ والإثارة : تحريك الشيء حتى يرتفع ترابه . وقرأ أبو جعفر : وآثاروا الأرض ، بمدة بعد الهمزة . وقال ابن مجاهد : ليس بشيء ، وخرجه أبو الفتح على الإشباع كقوله : ومن ذم الزمان بمنتزاح وقال : من ضرورة الشعر ، ولا يجيء في القرآن . وقرأ أبو حيوة : وآثروا من الإثرة ، وهو الاستبداد بالشيء . وقرئ : وأثروا الأرض : أي أبقوا عنها آثارا . وَعَمَرُوها : من العمارة ، أي بقاؤهم فيها أكثر من بقاء هؤلاء ، أو من العمران : أي سكنوا فيها ، أو من العمارة . قال الزمخشري : أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها : من عمارة أهل مكة ، وأهل مكة أهل واد غير ذي زرع ، ما لهم إثارة الأرض أصلا ، ولا عمارة لهم رأسا ، فما هو إلّا تهكم بهم وتضعيف حالهم في دنياهم ، لأن معظم ما يستظهر به أهل الدنيا ويتباهون به أمر الدهقنة ، وهم أيضا ضعاف القوى . فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ : قبله محذوف ، أي فكذبوهم فأهلكوا . وقرأ الحرميان ، وأبو عمرو : ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ بالرفع اسما لكان ، وخبرها السُّواى ، أو هو تأنيث الأسوإ ، أفعل من السوء . أَنْ كَذَّبُوا : مفعول من أجله متعلق بالخبر ، لا بأساء ، وإلا كان فيه الفصل بين الصلة ومتعلقها بالخبر ، وهو لا يجوز ؛ والمعنى : ثم كان عاقبتهم ، فوضع المظهر موضع المضمر . السُّواى : أي العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في الآخرة ، وهي جهنم . ويجوز أن تكون السُّواى مصدرا على وزن فعلى ، كالرجعي ، وتكون خبرا أيضا . ويجوز أن تكون مفعولا بأساء بمعنى اقترفوا ، وصفة مصدر محذوف ، أي الإساءة السوأى ، ويكون خبر كان أَنْ كَذَّبُوا . وقرأ الأعمش والحسن : السوي ، بإبدال الهمزة واوا وإدغام الواو فيها ، كقراءة من قرأ : بِالسُّوءِ « 1 » ،
--> ( 1 ) سورة يوسف : 12 / 53 .