أبي حيان الأندلسي
352
البحر المحيط في التفسير
مودة ، أي اتخذتم الأوثان بسبب المودة بينكم ، على حذف المضاف ، أو اتخذتموها مودّة بينكم ، كقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ « 1 » ، أو مما تعدت إلى واحد ، وانتصب مودة على أنه مفعول له ، أي ليتوادوا ويتواصلوا ويجتمعوا على عبادتها ، كما يجتمع ناس على مذهب ، فيقع التحاب بينهم . وذكروا عن ابن مسعود قراءة شاذة تخالف سواد المصحف ، مع أنه قد روي عنه ما في سواد المصحف بالنقل الصحيح المستفيض ، فلذلك لم أذكر تلك القراءة . ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يقع بينكم التلاعن ، أي فيلاعن العبدة والمعبودات الأصنام ، كقوله : و يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا « 2 » . و بَيْنِكُمْ ، و فِي الْحَياةِ : يجوز تعليقهما بلفظ مودة وعمل في ظرفين لاختلافهما ، إذ هما ظرفا مكان وزمان ، ويجوز أن يتعلقا بمحذوفين ، فيكونان في موضع الصفة ، أي كائنة بينكم في الحياة في موضع الحال من الضمير المستكن في بينكم . وأجاز أبو البقاء أن يتعلق فِي الْحَياةِ . باتخذتم على جعل ما كافة ونصب مودة ، لا على جعل ما موصولة بمعنى الذي ، أو مصدرية ورفع مودة ، لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة بالخبر . وأجاز قوم منهم ابن عطية أن يتعلق فِي الْحَياةِ بمودة ، وأن يكون بَيْنِكُمْ صفة لمودة ، وهو لا يجوز ، لأن المصدر إذا وصف قبل أخذ متعلقاته لا يعمل ، وشبهتهم في هذا أنه يتسع في الظرف ، بخلاف المفعول به . وأجاز أبو البقاء أن يتعلق بنفس بينكم ، قال : لأن معناه : اجتماعكم أو وصلكم . وأجاز أيضا أن يجعله حالا من بينكم ، قال : لتعرفه بالإضافة . انتهى ، وهما إعرابان لا يتعقلان . فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ : لم يؤمن بإبراهيم أحد من قومه إلا لوط عليه السلام ، حين رأى النار لم تحرقه ، وكان ابن أخي سارة ، أو كانت بنت عمه . والضمير في وَقالَ عائد على إبراهيم ، وهو الظاهر ، ليتناسق مع قوله : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ ، وهو قول قتادة والنخعي . وقالت فرقة : يعود على لوط ، وهاجر ، وإبراهيم ، عليهم السلام ، من قريتهما كوثى ، وهي في سواد العراق ، من أرض بابل ، إلى فلسطين من أرض الشام . وكان إبراهيم ابن خمس وسبعين سنة ، وهو أول من هاجر في اللّه . وقال ابن جريج : هاجر إلى حران ، ثم إلى الشام ، وفي هجرته هذه كانت معه سارة . والمهاجر : الفارغ عن الشيء ، وهو في عرف الشريعة : من ترك وطنه رغبة في رضا اللّه . وعرف بهذا الاسم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، المهاجرون ، قبل فتح مكة . إِلى رَبِّي ، أي إلى الجهة التي أمرني ربي بالهجرة إليها .
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 165 . ( 2 ) سورة مريم : 19 / 82 .