أبي حيان الأندلسي

353

البحر المحيط في التفسير

وقيل : إلى حيث لا أمنع عباده ربي . وقيل : مهاجرا من خالفني من قومي ، متقربا إلى ربي . ونزل إبراهيم قرية من أرض فلسطين ، وترك لوطا في سدوم ، وهي المؤتفكة ، على مسيرة يوم وليلة من قرية إبراهيم عليهما السلام . إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الذي لا يذل من عبده ، الْحَكِيمُ الذي يضع الأشياء مواضعها . والضمير في ذُرِّيَّتِهِ عائد على إبراهيم . النُّبُوَّةَ : إسحاق ، ويعقوب ، وأنبياء بني إسرائيل ، وإسماعيل ، ومحمد خاتمهم ، صلى اللّه وسلم عليهم أجمعين . وَالْكِتابَ : اسم جنس يدخل فيه التوراة ، والزبور ، والإنجيل ، والفرقان . وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا : أي في حياته قال مجاهد : نجاته من النار ، ومن الملك الجبار ، والعمل الصالح : والثناء الحسن ، بحيث يتولاه كل أمة وقال ابن جريج : والولد الذي قرت به عينه ، قاله الحسن . وقال السدي : إنه رأى مكانه من الجنة . وقال ابن أبي بردة : ما وفق له من عمل الآخرة . وقال الماوردي : بقاء ضيافته عند قبره ، وليس ذلك لنبي غيره . وقيل : النبوة والحكمة . وقيل : الصلاة عليه إلى آخر الدهر . وانتصب لوطا بإضمار اذكر ، أو بالعطف على إبراهيم ، أو بالعطف على ما عطف عليه إبراهيم . والجمهور : على الاستفهام في أإنّكم معا . وقرئ : أنكم على الخبر ، والثاني على الاستفهام . وقال أبو عبيد : وجدته في الإمام بحرف واحد بغير ياء ، ورأيت الثاني بحرفين ، الياء والنون . ولم يأت في قصة لوط أنه دعا قومه إلى عبادة اللّه ، كما جاء في قصة إبراهيم وقصة شعيب ، لأن لوطا كان من قوم إبراهيم وفي زمانه ، وسبقه إبراهيم إلى الدعاء لعبادة اللّه وتوحيده ، واشتهر أمره بذلك عند الخلق ، فذكر لوط ما اختص به من المنع من الفحشاء وغيرها . وأما إبراهيم وشعيب فجاءا بعد انقراض من كان يعبد اللّه ، فلذلك دعوا إلى عبادة اللّه . قال الزمخشري : ما سَبَقَكُمْ بِها جملة مستأنفة مقررة لفاحشة تلك الفعلة ، كأن قائلا قال : لم كانت فاحشة ؟ فقيل : لأن أحدا قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازا منها في طباعهم لإفراط قبحها ، حتى قدم عليها قوم لوط لخبث طينتهم ، قالوا : لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط . انتهى . ويظهر أن ما سَبَقَكُمْ بِها جملة حالية ، كأنه قال : أتأتون الفاحشة مبتدعين لها غير مسبوقين بها ؟ واستفهم أولا وثانيا استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع ، وبين ما تلك الفاحشة المبهمة في قوله : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ، وإن كانت معينة أنها إتيان الذكور في الأدبار بقوله : ما سَبَقَكُمْ بِها ، فقال : أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ : يعني في الأدبار ، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ : الولد ، بتعطيل الفرج ووطء أدبار الرجال ، أو بإمساك الغرباء