أبي حيان الأندلسي
310
البحر المحيط في التفسير
شعيب ، ولكنا أرسلناك رسولا ، وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار المنسية تتلوها عليهم ، ولولاك ما أخبرتهم بما لم يشاهدوه . وقال الفراء : وَما كُنْتَ ثاوِياً في أهل مدين مع موسى ، فتراه وتسمع كلامه ، وها أنت تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا : أي على أمتك ، فهو منقطع . انتهى . قيل : وإذا لم يكن حاضرا في ذلك المكان ، فما معنى : وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ؟ فقال ابن عباس : التقدير : لم تحضر ذلك الموضع ، ولو حضرت ، فما شاهدت تلك الوقائع ، فإنه يجوز أن يكون هناك : ولا يشهد ولا يرى . وقال مقاتل : لم يشهد أهل مدين فيقرأ على أهل مكة خبرهم ، ولكنا أرسلناك إلى أهل مكة ، وأنزلنا إليك هذه الأخبار ، ولولا ذلك ما علمت . وقال الضحاك : يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين ، تتلو عليهم آيات الكتاب ، وإنما كان غيرك ، ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولا ، فأرسلنا إلى مدين شعيبا ، وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء . انتهى . وقال الطبري : إِذْ نادَيْنا بأن : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ « 1 » الآية . وعن أبي هريرة : أنه نودي من السماء حينئذ يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني ، وغفرت لكم قبل أن تسألوني ، فحينئذ قال موسى عليه السلام : اللهم اجعلني من أمة محمد . فالمعنى : إذ نادينا بأمرك ، وأخبرناك بنبوتك . وقرأ الجمهور : رَحْمَةً ، بالنصب ، فقدر : ولكن جعلناك رحمة ، وقدر أعلمناك ونبأناك رحمة . وقرأ عيسى ، وأبو حيوة : بالرفع ، وقدر : ولكن هو رحمة ، أو هو رحمة ، أو أنت رحمة . لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ : أي في زمن الفترة بينك وبين عيسى ، وهو خمسمائة وخمسون عاما ونحوه . وجواب لَوْ لا محذوف . والمعنى : لولا أنهم قائلون ، إذ عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي ، هلا أرسلت إلينا رسولا ؟ محتجين بذلك علينا ما أرسلنا إليهم : أي إنما أرسلنا الرسل إزالة لهذا العذر ، كما قال : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ « 2 » ، أن تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ « 3 » . وتقدير الجواب : ما أرسلنا إليهم الرسل ، هو قول الزجاج . وقال ابن عطية : تقديره : لعاجلناهم بما يستحقونه . والمصيبة : العذاب . ولما كان أكثر الأعمال تزاول بالأيدي ، عبر عن كل عمل باجتراح الأيدي ، حتى أعمال القلوب ، اتساعا في الكلام ، وتصيير الأقل تابعا للأكثر ، وتغليب الأكثر على الأقل . والفاء في فَيَقُولُوا للعطف على نصيبهم ، ولولا الثانية للتحضيض . وفنتبع : الفاء فيه جواب للتحضيض .
--> ( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 157 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 165 . ( 3 ) سورة المائدة : 5 / 19 .