أبي حيان الأندلسي
311
البحر المحيط في التفسير
وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف استقام هذا المعنى ، وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول لدخول حرف الامتناع عليها دونه ؟ قلت : القول هو المقصود بأن يكون سببا لإرسال الرسل ، ولكن العقوبة ، لما كانت هي السبب للقول ، فكان وجوده بوجودها ، جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال بواسطة القول ، فأدخلت عليها لولا ، وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى السببية ، ويؤول معناها إلى قولك : ولولا قولهم هذا ، إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ * « 1 » لما أرسلنا ، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة ، وهو أنهم لم يعاقبوا مثلا على كفرهم ، وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقين . لم يقولوا : لولا أرسلت إلينا رسولا ، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير ، لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم . وفي هذا من الشهادة القوية على استحكام كفرهم ورسوخهم فيه ما لا يخفى ، كقولهم : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ « 2 » . انتهى . الْحَقُّ : هو الرسول ، محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، جاء بالكتاب المعجز الذي قطع معاذيرهم . وقيل : القرآن ، مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى . مِنْ قَبْلُ : أي من قبل الكتاب المنزل جملة واحدة ، وانقلاب العصا حية ، وفلق البحر ، وغيرها من الآيات . اقترحوا ذلك على سبيل التعنت والعناد ، كما قالوا : لولا أنزل عليه كنز ، وما أشبه ذلك من المقترحات لهم . وهذه المقالة التي قالوها هي من تعليم اليهود لقريش ، قالوا لهم . ألا يأتي بآية باهرة كآيات موسى ، فرد اللّه عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى ، وقد وقع منهم في آيات موسى ما وقع من هؤلاء في آيات الرسول . فالضمير في : أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا لليهود ، قاله ابن عطية . وقيل : قائل ذلك العرب بالتعليم ، كما قلنا . وقيل : قائل ذلك اليهود ، ويظهر عندي أنه عائد على قريش الذين قالوا : لَوْ لا أُوتِيَ : أي محمد ، بِما أُوتِيَ مُوسى ، وذلك أن تكذبيهم لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم تكذيب لموسى عليه السلام ، ونسبتهم السحر للرسول نسبة السحر لموسى ، إذ الأنبياء هم من واد واحد . فمن نسب إلى أحد من الأنبياء ما لا يليق ، كان ناسبا ذلك إلى جميع الأنبياء . وتتناسق الضمائر كلها في هذا ، في قوله : قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وإن كان الظاهر من القول إنه النطق اللساني ، فقد ينطلق على الاعتقاد وهم من حيث إنكار النبوات ، معتقدون أن ما ظهر على أيدي الأنبياء من الآيات إنما هو من باب السحر . وقال الزمخشري : أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا ، يعني آباء جنسهم ، ومن مذهبهم مذهبهم ، وعنادهم عنادهم ، وهم الكفرة في زمن موسى بِما أُوتِيَ مُوسى . وعن الحسن : قد كان
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 156 ، وسورة النساء : 4 / 62 . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 28 .