أبي حيان الأندلسي

30

البحر المحيط في التفسير

جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالت : يا رسول اللّه إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد ، فلا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا الآية . فقال أبو بكر بعد نزولها : يا رسول اللّه أرأيت الخانات والمساكن التي ليس فيها ساكن فنزل لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ الآية . ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أن أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة ، فصارت كأنها طريق للتهمة ، فأوجب اللّه تعالى أن لا يدخل المرء بيت غيره إلّا بعد الاستئذان والسلام ، لأن في الدخول لا على هذا الوجه وقوع التهمة وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به . والظاهر أنه يجوز للإنسان أن يدخل بيت نفسه من غير استئذان ولا سلام لقوله غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ويروى أن رجلا قال للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أأستأذن على أمي ؟ قال : « نعم » قال : ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت ؟ قال : « أتحب أن تراها عريانة » قال الرجل : لا ، قال : وغيّا النهي عن الدخول بالاستئناس والسلام على أهل تلك البيوت ، والظاهر أن الاستئناس هو خلاف الاستيحاش ، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا ، فهو كالمستوحش من جفاء الحال إذا أذن له استأنس ، فالمعنى حتى يؤذن لكم كقوله : لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ « 1 » وهذا من باب الكنايات والإرداف ، لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن فوضع موضع الإذن . وقد روي عن ابن عباس أنه قال تَسْتَأْنِسُوا معناه تستأذنوا ، ومن روى عن ابن عباس أن قوله تَسْتَأْنِسُوا خطأ أو وهم من الكاتب وأنه قرأ حتى تستأذنوا فهو طاعن في

--> ( 1 ) سورة الأحزاب : 33 / 53 .