أبي حيان الأندلسي

31

البحر المحيط في التفسير

الإسلام ملحد في الدين ، وابن عباس بريء من هذا القول . و تَسْتَأْنِسُوا متمكنة في المعنى بنية الوجه في كلام العرب . وقد قال عمر للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : استأنس يا رسول اللّه وعمر وأقف على باب الغرفة الحديث المشهور . وذلك يقتضي أنه طلب الأنس به صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : هو من الاستئناس الذي هو الاستعلام والاستكشاف ، واستفعال من أنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا ، والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم أم لا ، ومنه استأنس هل ترى أحدا واستأنست فلم أر أحدا ، أي تعرفت واستعلمت ومنه بيت النابعة : كان رحلي وقد زال النهار بنا * يوم الجليل على مستأنس وحد ويجوز أن يكون من الإنس وهو أن يتعرف هل ثم إنسان . وعن أبي أيوب قال : قلنا : يا رسول اللّه ، ما الاستئناس ؟ قال : « يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة يتنحنح يؤذن أهل البيت والتسليم أن يقول السلام عليكم » . وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته : حييتم صباحا وحييتم مساء ثم يدخل ، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد فصدّ اللّه عن ذلك وعلم الأحسن الأكمل . وذهب الطبري في تَسْتَأْنِسُوا إلى أنه بمعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بأن تعلموا أن قد شعر بكم . قال ابن عطية : وتصريف الفعل يأبى أن يكون من آنس انتهى . وقال عطاء : الاستئذان واجب على كل محتلم ، والظاهر مطلق الاستئذان فيكفي فيه المرة الواحدة . وفي الحديث : « الاستئذان ثلاث » يعني كماله . « فإن أذن له وإلّا فليرجع ولا يزيد على ثلاث إلّا أن يحقق أن من في البيت لم يسمع » . والظاهر تقديم الاستئذان على السلام . وفي حديث أبي داود : قل السلام عليكم أأدخل ؟ والواو في وَتُسَلِّمُوا لا تقتضي ترتيبا فشرع النداء بالسلام على الإذن لما في السلام من التفاؤل بالسلامة . ذلِكُمْ إشارة إلى المصدر المفهوم من تَسْتَأْنِسُوا و تُسَلِّمُوا أي ذلِكُمْ الاستئناس والتسليم خَيْرٌ لَكُمْ من تحية الجاهلية . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي شرّعنا ذلك ونبهناكم على ما فيه مصلحتكم من الستر وعدم الاطلاع على ما تكرهون الاطلاع عليه لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ اعتناء بمصالحكم . فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً أي يأذن لكم فلا تقدموا على الدخول في ملك غيركم حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ إذ قد يكون لرب البيت فيه ما لا يحب أن يطلع عليه . وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا وهذا عائد إلى من استأذن في دخول بيت غيره فلم يؤذن له سواء كان فيه