أبي حيان الأندلسي
258
البحر المحيط في التفسير
ذلك منكم محال ، لأنه إبراز شيء من العدم إلى الوجود ، وهذا ليس بمقدور إلا للّه تعالى . ولما ذكر منته عليهم ، خاطبهم بذلك ؛ ثم لما ذكر ذمّهم ، عدل من الخطاب إلى الغيبة فقال : بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ، إما التفاتا ، وإما إخبارا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بحالهم ، أي يعدلون عن الحق ، أو يعدلون به غيره ، أي يجعلون له عديلا ومثيلا . وقرئ : إلها ، بالنصب ، بمعنى : أتدعون أو أتشركون ؟ وقرئ : أإله ، بتخفيف الهمزتين وتليين الثانية ، والفصل بينهما بألف . ولما ذكر تعالى أنه منشئ السماوات والأرض ، ذكر شيئا مشتركا بين السماء والأرض ، وهو إنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق بالأرض ، ذكر شيئا مختصا بالأرض ، وهو جعلها قرارا ، أي مستقرا لكم ، بحيث يمكنكم الإقامة بها والاستقرار عليها ، ولا يديرها الفلك ، قيل : لأنها مضمحلة في جنب الفلك ، كالنقطة في الرحى . وَجَعَلَ خِلالَها : أي بين أماكنها ، في شعابها وأوديتها ، أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ : أي جبالا ثوابت حتى لا تتكفّأ بكم وتميد . والبحران : العذب والملح ، والحاجز : الفاصل ، من قدرته تعالى ، قاله الضحاك . وقال مجاهد : بحر السماء والأرض ، والحاجز من الهواء . وقال الحسن : بحر فارس والروم ، وقال السدّي : بحر العراق والشام ، والحاجز من الأرض . قال ابن عطية : مختارا لهذا القول في الحاجز : هو ما جعل اللّه بينهما من حواجز الأرض وموانعها ، على رقتها في بعض المواضع ، ولطافتها التي لولا قدرته لبلغ الملح العذب . وكان ابن عطية قد قدم أن البحرين : العذب بجملته ، والماء الأجاج بجملته ؛ ولما كانت كل واحدة منه عظيمة مستقلة ، تكرر فيها العامل في قوله : وَجَعَلَ ، فكانت من عطف الجمل المستقل كل واحدة منها بالامتنان ، ولم يشرك في عامل واحد فيكون من عطف المفردات . ولأبي عبد اللّه الرازي في ذكر هذه الامتنانات الأربع كلام من علم الطبيعة ، والحكماء على زعمه ، خارج عن مذاهب العرب ، يوقف عليه في كتابه . والمضطر : اسم مفعول ، وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو حادث من حوادث الدهر إلى الالتجاء إلى اللّه والتضرع إليه ، فيدعوه لكشف ما اعتراه من ذلك وإزالته عنه . وقال ابن عباس : هو المجهود . وقال السدّي : هو الذي لا حول ولا قوة له . وقيل : هو المذنب إذا استغفر ، وإجابته إياه مقرونة بمشيئته تعالى ، فليس كل مضطر دعا يجيبه اللّه في كشف ما به . وقال الزمخشري : الإجابة موقوفة على أن يكون المدعو به مصلحة ، ولهذا لا يحسن الدعاء إلا شارطا فيه المصلحة . انتهى ، وهو على طريق الاعتزال في مراعاة المصلحة من اللّه تعالى .