أبي حيان الأندلسي

259

البحر المحيط في التفسير

وَيَكْشِفُ السُّوءَ : هو كل ما يسوء ، وهو عام في كل ضر انتقل من حالة المضطر ، وهو خاص إليّ أعم ، وهو ما يسوء ، سواء كان المكشوف عنه في حالة الاضطرار أو فيما دونها . وخلفاء : أي الأمم السالفة ، أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو خلفاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من بعده ، أو خلفاء الكفار في أرضهم ، أو الملك والتسلط ، أقوال . وقرأ الحسن في رواية : ونجعلكم بنون المتكلم ، كأنه استئناف إخبار ووعد ، كما قال تعالى : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ . وقوله : وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ : انتقال من حالة المضطر إلى رتبة مغايرة لحالة الاضطرار ، وهي حالة الخلافة ، فهما ظرفان . وكم رأينا في الدنيا ممن بلغ حالة الاضطرار ثم صار ملكا متسلطا . وقرأ الجمهور : تذكرون ، بتاء الخطاب ؛ والحسن ، والأعمش ، وأبو عمرو : بياء الغيبة ، والذال في القراءتين مشددة لإدغام التاء فيها . وقرأ أبو حيوة : تتذكرون ، بتاءين . وظلمة البر هي ظلمة الليل ، وهي الحقيقة ، وتنطلق مجازا على الجهل وعلى انبهام الأمر فيقال : أظلم عليّ الأمر . وقال الشاعر : تجلت عمايات الرجال عن الصبا أي جهالات الصبا وهداية البر تكون بالعلامات ، وهداية البحر بالنجوم . وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ : تقدم تفسير نظير هذه الجملة . وقرئ : عما تشركون ، بتاء الخطاب . أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ : الظاهر أن الخلق هو المخلوق ، وبدؤه : اختراعه وإنشاؤه . ويظهر أن المقصود هو من يعيده اللّه في الآخرة من الإنس والجن والملك ، لا عموم المخلوق . وقال ابن عطية : والمقصود بنو آدم من حيث ذكر الإعادة ، والإعادة البعث من القبور ، ويحتمل أن يريد بالخلق مصدر خلق ، ويكون يبدأ ويعيد استعارة للإتقان والإحسان ، كما تقول : فلان يبدئ ويعيد في أمر كذا إذا كان يتقنه . وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف قال لهم أمن يبدأ الخلق ثم يعيده وهم منكرون الإعادة ؟ قلت : قد أنعم عليهم بالتمكين من المعرفة والإقرار ، فلم يبق لهم عذر في الإنكار . انتهى . ولما كان إيجاد بني آدم إنعاما إليهم وإحسانا ، ولا تتم النعمة إلا بالرزق قال : وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ بالمطر ، وَالْأَرْضِ بالنبات ؟ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ : أي أحضروا حجتكم ودليلكم على ما تدعون من إنكار شيء مما تقدم تقريره إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أن