أبي حيان الأندلسي
210
البحر المحيط في التفسير
وقال الحسن : المعنى وإنك لتقبل القرآن . وقيل : معناه تلقن . والحكمة : العلم بالأمور العملية ، والعلم أعم منه ، لأنه يكون عمليا ونظريا ، وكمال العلم : تعلقه بكل المعلومات وبقاؤه مصونا عن كل التغيرات ، ولا يكون ذلك إلا للّه تعالى . وهذه الآية تمهيد لما يخبر به من المغيبات وبيان قصص الأمم الخالية ، مما يدل على تلقيه ذلك من جهة اللّه ، وإعلامه بلطيف حكمته دقيق علمه تعالى . قيل : وانتصب إِذْ باذكر مضمرة ، أو بعليم ؛ وليس انتصابه بعليم واضحا ، إذ يصير الوصف مقيدا بالمعمول . وقد تقدم طرف من قصة موسى عليه السلام في رحلته بأهله من مدين : في سورة طه ، وظاهر أهله جمع لقوله : سَآتِيكُمْ و تَصْطَلُونَ ، وروي أنه لم يكن معه غير امرأته . و قيل : كانت ولدت له ، وهو عند شعيب ، ولدا ، فكان مع أمه . فإن صح هذا النقل ، كان من باب خطاب الجمع على سبيل الإكرام والتعظيم . وكان الطريق قد اشتبه عليه ، والوقت بارد ، والسير في ليل ، فتشوقت نفسه ، إذ رأى النار إلى زوال ما لحق من إضلال الطريق وشدة البرد فقال : سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ : أي من موقدها بخبر يدل على الطريق ، أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ : أي إن لم يكن هناك من يخبر ، فإني أستصحب ما تدفئون به منها . وهذا الترديد بأو ظاهر ، لأنه كان مطلوبه أولا أن يلقي على النار من يخبره بالطريق ، فإنه مسافر ليس بمقيم . فإن لم يكن أحد ، فهو مقيم ، فيحتاجون لدفع ضرر البرد ، وهو أن يأتيهم بما يصطلون ، فليس محتاجا للشيئين معا ، بل لأحدهما الخبر إن وجد من يخبره فيرحل ، أو الاصطلاء إن لم يجد وأقام . فمقصوده إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ، وهو معنى قوله : لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً « 1 » . وجاء هنا : سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ ، وهو خبر ، وفي طه : لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ « 2 » ، وفي القصص : لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ « 3 » ، وهو ترج ، ومعنى الترجي مخالف لمعنى الخبر . ولكن الرجاء إذا قوي ، جاز للراجي أن يخبر بذلك ، وإن كانت الخيبة يجوز أن تقع . وأتى بسين الاستقبال ، إما لأن المسافة كانت بعيدة ، وإما لأنه قد يمكن أن يبطئ لما قدر أنه قد يعرض له ما يبطئه . والشهاب : الشعلة ، والقبس : النار المقبوسة ، فعل بمعنى مفعول ، وهو القطعة من النار في عود أو غيره ، وتقدم ذلك في طه . وقرأ الكوفيون : بشهاب منونا ، فقبس بدل أو صفة ، لأنه بمعنى المقبوس . وقرأ باقي
--> ( 1 ) سورة طه : 20 / 10 . ( 2 ) سورة طه : 20 / 10 . ( 3 ) سورة القصص : 28 / 29 .