أبي حيان الأندلسي
200
البحر المحيط في التفسير
تلك الكلمة ، - كانت سبب ضلالة لمن سمعها . وعلى كون الضمير عائدا على كل أفاك ، احتمل أن يكون يلقون استئناف إخبار عن الأفاكين ، واحتمل أن يكون صفة لكل أفاك ، ولا تعارض بين قوله : كُلِّ أَفَّاكٍ ، وبين قوله : وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ ، لأن الأفاك هو الذي يكثر الكذب ، ولا يدل ذلك على أنه لا ينطق إلا بالإفك ، فالمعنى : أن الأفاكين من صدق منهم فيما يحكى عن الجني ، فأكثرهم مغتر . قال الزمخشري : فإن قلت : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ، و ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ، هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ، لم فرق بينهن وبين إخوان ؟ قلت : أريد التفريق بينهن بآيات ليست في معناهن ، ليرجع إلى المجيء بهن ، ويطريه ذكر ما فيهن كرة بعد كرة ، فيدل بذلك على أن المعنى الذي نزلن فيه من المعاني التي أسندت كراهة اللّه لها ، ومثاله : أن يحدث الرجل بحديث ، وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل عناية ، فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه . انتهى . ولما ذكر الكهنة بإفكهم الكثير وحالهم المقتضية ، نفي كلام القرآن ، إذ كان بعض الكفار قال في القرآن : إنه شعر ، كما قالوا في الرسول : إنه كاهن ، وإن ما أتى به هو من باب الكهانة ، كما قال تعالى : وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ « 1 » ، وقال : وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ « 2 » . فقال : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ . قيل : هي في أمية بن أبي الصلت ، وأبي عزة ، ومسافع الجمحي ، وهبيرة بن أبي وهب ، وأبي سفيان بن الحارث ، وابن الزبعري . وقد أسلم ابن الزبعري وأبو سفيان . والشعراء عام يدخل فيه كل شاعر ، والمذموم من يهجو ويمدح شهوة محرمة ، ويقذف المحصنات ، ويقول الزور وما لا يسوغ شرعا . وقرأ عيسى : والشعراء : نصبا على الاشتغال ؛ والجمهور : رفعا على الابتداء والخبر . وقرأ السلمي ، والحسن بخلاف عنه ، ونافع يتبعهم مخففا ؛ وباقي السبعة مشددا ؛ وسكن العين : الحسن ، وعبد الوارث ، عن أبي عمرو . وروى هارون : نصبها عن بعضهم ، وهو مشكل . وَالْغاوُونَ ، قال ابن عباس : الرواة ، وقال أيضا : المستحسنون لأشعارهم ، المصاحبون لهم . وقال عكرمة : الرعاع الذين يتبعون الشاعر . وقال مجاهد ، وقتادة : الشياطين . وقال عطية : السفهاء المشركون يتبعون شعراءهم . أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ : تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول ،
--> ( 1 ) سورة الحاقة : 69 / 69 . ( 2 ) سورة الحاقة : 69 / 41 .