أبي حيان الأندلسي

201

البحر المحيط في التفسير

واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ، ومجاوزة حد القصد فيه ، حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة ، وأشحهم على حاتم ، ويبهتوا البريء ، ويفسقوا التقي . وقال ابن عباس : هو تقبيحهم الحسن ، وتحسينهم القبيح . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ، وذلك لغلوهم في أفانين الكلام ، ولهجهم بالفصاحة والمعاني اللطيفة ، قد ينسبون لأنفسهم ما لا يقع منهم . وقد درأ الحد في الخمر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، عن النعمان بن عدي ، في شعر قاله لزوجته حين احتج عليه بهذه الآية ، وكان قد ولاه بيسان ، فعزله وأراد أن يحده والفرزدق ، سليمان بن عبد الملك : فبتن كأنهن مصرعات * وبت أفض أغلاق الختام فقال له سليمان : لقد وجب عليك الحد ، فقال : لقد درأ اللّه عني الحدّ بقوله : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ . أخبر تعالى عن الشعراء بالأحوال التي تخالف حال النبوة ، إذ أمرهم ، كما ذكر ، من اتباع الغواة لهم ، وسلوكهم أفانين الكلام من مدح الشيء وذمه ، ونسبة ما لا يقع منهم إليهم ، وذلك بخلاف حال النبوة ، فإنها طريقة واحدة ، لا يتبعها إلا الراشدون . دعوة الأنبياء واحدة ، وهي الدعاء إلى توحيد اللّه وعبادته ، والترغيب في الآخرة والصدق . هذا مع أن ما جاءوا به لا يمكن أن يجيء به غيرهم من ظهور المعجز . ولما كان ما سبق ذما للشعراء ، واستثنى منهم من اتصف بالإيمان والعمل الصالح والإكثار من ذكر اللّه ، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر ؛ وإذا نظموا شعرا كان في توحيد اللّه والثناء عليه وعلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وصحبه ، والموعظة والزهد والآداب الحسنة وتسهيل علم ، وكل ما يسوغ القول فيه شرعا فلا يتلطخون في قوله بذنب ولا منقصة . والشعر باب من الكلام ، حسنه حسن ، وقبيحة قبيح . وقال رجل علوي لعمرو بن عبيد : إن صدري ليجيش بالشعر ، فقال : ما يمنعك منه فيما لا بأس به . وقيل : المراد بالمستثنين : حسان ، وعبد اللّه بن رواحة ، وكعب بن مالك ، وكعب بن زهير ، ومن كان ينافخ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال عليه السلام لكعب بن مالك : « اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل » . و قال لحسان : « قل وروح القدس معك » ، وهذا معنى قوله : وَانْتَصَرُوا : أي بالقول فيمن ظلمهم . وقال عطاء بن يسار وغيره : لما ذم الشعراء بقوله : وَالشُّعَراءُ الآية ، شق ذلك على حسان وابن رواحة وكعب بن مالك ، وذكروا ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام ، فنزلت آية الاستثناء بالمدينة ، وخص ابن زيد قوله : وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً ، فقال : أي في شعرهم . وقال ابن عباس : صار