أبي حيان الأندلسي

129

البحر المحيط في التفسير

وقال آخر : إذا المرء أعطى نفسه كلما اشتهت * ولم ينهها تاقت إلى كل باطل وساقت إليه الإثم والعار بالذي * دعته إليه من حلاوة عاجل وقال حاتم : إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله * وفرج نالا منتهى الذم أجمعا وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم : يقترون بفتح الياء وضم التاء ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء ونافع ، وابن عامر بضم الياء وكسر التاء مشددة وكلها لغات في التضييق . وأنكر أبو حاتم لغة أقتر رباعيا هنا . وقال أقتر إذا افتقر . ومنه وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ « 1 » وغاب عنه ما حكاه الأصمعي وغيره : من اقتر بمعنى ضيق ، والقوام الاعتدال بين الحالتين . وقرأ حسان بن عبد الرحمن قَواماً بالكسر . فقيل : هما لغتان بمعنى واحد . وقيل : بالكسر ما يقام به الشيء يقال : أنت قوامنا بمعنى ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص . وقيل : قَواماً بالكسر مبلغا وسدادا وملاك حال ، و بَيْنَ ذلِكَ و قَواماً يصح أن يكونا خبرين عند من يجيز تعداد خبر كانَ وأن يكون بَيْنَ هو الخبر و قَواماً حال مؤكدة ، وأن يكون قَواماً خبرا و بَيْنَ ذلِكَ إما معمول لكان على مذهب من يرى أن كان الناقصة تعمل في الظرف ، وأن يكون حالا من قَواماً لأنه لو تأخر لكان صفة ، وأجاز الفراء أن يكون بَيْنَ ذلِكَ اسم كانَ وبني لإضافته إلى مبني كقوله وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ « 2 » في قراءة من فتح الميم و قَواماً الخبر . قال الزمخشري : وهو من جهة الإعراب لا بأس به ، ولكن المعنى ليس بقوي لأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة انتهى . وصفهم تعالى بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير ، وبمثله خوطب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً « 3 » الآية . وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ الآية سأل ابن مسعود رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أي الذنب أعظم ؟ فقال : « أن تجعل للّه ندا وهو خلقك » . قال : ثم أي ؟ قال : « أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك » . قال : ثم أي ؟ قال : « أن تزاني حليلة جارك » . فأنزل اللّه تصديقها وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ الآية . وقيل : أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مشركون قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ، فقالوا : إن الذين تقول وتدعو إليه لحسن ، أو تخبرنا أن لما علمنا

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 251 . ( 2 ) سورة هود : 11 / 66 . ( 3 ) سورة الإسراء : 17 / 29 .