أبي حيان الأندلسي
28
البحر المحيط في التفسير
بأهلكنا لاختلاف معنييهما . وقال الحوفي : مِنْ بَعْدِ نُوحٍ من الثانية بدل من الأولى انتهى . وهذا ليس بجيد . وقال ابن عطية : هذه الباء يعني في وَكَفى بِرَبِّكَ إنما تجيء في الأغلب في مدح أو ذم انتهى . و بِذُنُوبِ عِبادِهِ تنبيه على أن الذنوب هي أسباب الهلكة ، و خَبِيراً بَصِيراً تنبيه على أنه عالم بها فيعاقب عليها ويتعلق بذنوب بخبيرا أو ببصيرا . وقال الحوفي : تتعلق بكفى انتهى . وهذا وهم و الْعاجِلَةَ هي الدنيا ومعنى إرادتها إيثارها على الآخرة ، ولا بد من تقدير حذف دل عليه المقابل في قوله : مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فالتقدير : من كان يريد العاجلة وسعى لها سعيها وهو كافر . وقيل : المراد مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ بعمل الآخرة كالمنافق والمرائي والمهاجر للدنيا والمجاهد للغنيمة والذكر كما قال عليه السلام : « ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه » . و قال عليه الصلاة والسلام : « من طلب الدنيا بعمل الآخرة فما له في الآخرة من نصيب » . وقيل : نزلت في المنافقين وكانوا يغزون مع المسلمين للغنيمة لا للثواب ، و مَنْ شرط وجوابه عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ فقيد المعجل بمشيئته أي ما يشاء تعجيله . و لِمَنْ نُرِيدُ بدل من قوله : لَهُ بدل بعض من كل لأن الضمير في لَهُ عائد على من الشرطية ، وهي في معنى الجمع ، ولكن جاءت الضمائر هنا على اللفظ لا على المعنى ، فقيد المعجل بإرادته فليس من يريد العاجلة يحصل له ما يريده ، ألا ترى أن كثيرا من الناس يختارون الدنيا ولا يحصل لهم منها إلّا ما قسمه اللّه لهم ، وكثيرا منهم يتمنون النزر اليسير فلا يحصل لهم ، ويجمع لهم شقاوة الدنيا وشقاوة الآخرة . وقرأ الجمهور ما نَشاءُ بالنون وروي عن نافع ما يشاء بالياء . فقيل الضمير في يشاء يعود على اللّه ، وهو من باب الالتفات فقراءة النون والياء سواء . وقيل يجوز أن يعود على من العائد عليها الضمير في لَهُ وليس ذلك عاما بل لا يكون له ما يشاء إلّا آحاد أراد اللّه لهم ذلك ، والظاهر أن الضمير في لِمَنْ نُرِيدُ يقدر مع تقديره مضاف محذوف يدل عليه ما قبله ، أي لمن نريد تعجيله له أي تعجيل ما نشاء . وقال أبو إسحاق الفزاري المعنى لمن نريد هلكته وما قاله لا يدل عليه لفظ في الآية . و جَعَلْنا بمعنى صيرنا ، والمفعول الأول جَهَنَّمَ والثاني له لأنه ينعقد منهما مبتدأ وخبر ، فنقول : جهنم للكافرين كما قال هؤلاء للنار وهؤلاء للجنة و يَصْلاها حال من جهنم . وقال أبو البقاء : أو من الضمير الذي في لَهُ . وقال صاحب الغنيان : مفعول