أبي حيان الأندلسي
29
البحر المحيط في التفسير
جَعَلْنا الثاني محذوف تقديره مصيرا أو جزاء انتهى . مَذْمُوماً إشارة إلى الإهانة . مَدْحُوراً إشارة إلى البعد والطرد من رحمة اللّه وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ أي ثواب الآخرة بأن يؤثرها على الدنيا ، ويعقد إرادته بها وَسَعى فيما كلف من الأعمال والأقوال سَعْيَها أي السعي المعد للنجاة فيها . وَهُوَ مُؤْمِنٌ هو الشرط الأعظم في النجاة فلا تنفع إرادة ولا سعي إلا بحصوله . وفي الحقيقة هو الناشئ عنه إرادة الآخرة والسعي للنجاة فيها وحصول الثواب ، وعن بعض المتقدّمين من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله : إيمان ثابت ، ونية صادقة ، وعمل مصيب ، وتلا هذه الآية فَأُولئِكَ إشارة إلى من اتصف بهذه الأوصاف وراعي معنى من فلذلك كان بلفظ الجمع ، واللّه تعالى يشكرهم على طاعتهم وهو تعالى المشكور على ما أعطى من العقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل ، وهو المستحق للشكر حقيقة ومعنى شكره تعالى المطيع الإثناء عليه وثوابه على طاعته . وانتصب كُلًّا بنمد والإمداد المواصلة بالشيء ، والمعنى كل واحد من الفريقين نُمِدُّ كذا قدره الزمخشري : وأعربوا هؤُلاءِ بدلا من كُلًّا ولا يصح أن يكون بدلا من كل على تقدير كل واحد لأنه يكون إذ ذاك بدل كل من بعض ، فينبغي أن يكون التقدير كل الفريقين فيكون بدل كل من كل على جهة التفصيل . والظاهر أن هذا الإمداد هو في الرزق في الدنيا وهو تأويل الحسن وقتادة ، أي إن اللّه يرزق في الدنيا مريدي العاجلة الكافرين ، ومريدي الآخرة المؤمنين ويمد الجميع بالرزق ، وإنما يقع التفاوت في الآخرة ويدل على هذا التأويل وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً أي إن رزقه لا يضيق عن مؤمن ولا كافر . وعن ابن عباس أن معنى مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ من الطاعات لمريد الآخرة والمعاصي لمريد العاجلة ، فيكون العطاء عبارة عما قسم اللّه للعبد من خير أو شر ، وينبو لفظ العطاء على الإمداد بالمعاصي . والظاهر أن انْظُرْ بصرية لأن التفاوت في الدنيا مشاهد و كَيْفَ في موضع نصب بعد حذف حرف الجر ، لأن نظر يتعدى به ، فانظر هنا معلقة . ولما كان النظر مفضيا وسببا إلى العلم جاز أن يعلق ، ويجوز أن يكون انْظُرْ من نظر الفكر فلا كلام في تعليقه إذ هو فعل قلبي . والتفضيل هنا عبارة عن الطاعات المؤدّية إلى الجنة ، والمفضل عليهم الكفار كأنه قيل : انظر في تفضيل فريق على فريق ، وعلى التأويل الأول كأنه قيل في تفضيل شخص على شخص من المؤمنين والكافرين ، والمفضول في قوله : أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا محذوف تقديره من درجات الدنيا ومن تفضيل الدنيا . وروي أن قوما من الأشراف ومن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي اللّه عنه ، فخرج