أبي حيان الأندلسي
14
البحر المحيط في التفسير
الملك ، فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم يعلمه الفرس لأنه كان يداخلهم ، فلما انصرف الجيش ذكر ذلك للملك الأعظم ، فلما كان بعد مدة جعله الملك رئيس جيش وبعثه وخرب بيت المقدس وقتلهم وجلاهم ثم انصرف فوجد الملك قد مات فملك موضعه ، واستمرت حاله حتى ملك الأرض بعد ذلك . وقيل هم العمالقة وكانوا كفارا . وقيل : كان المبعوثون قوما مؤمنين بعثهم اللّه وأمرهم بغزو بني إسرائيل والبعث هنا الإرسال والتسليط . وقال الزمخشري : معناه خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم على أن اللّه عزّ وعلا أسند بعث الكفرة إلى نفسه فهو كقوله : وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ « 1 » وكقول الداعي : وخالف بين كلمتهم وأسند الجوس وهو التردّد خلال الديار بالفساد إليهم ، فتخريب المسجد وإحراق التوراة من جملة الجوس المسند إليهم انتهى . وفي قوله خلينا بينهم وبين ما فعلوا دسيسة الاعتزال . وقال ابن عطية : بَعَثْنا يحتمل أن يكون اللّه أرسل إلى ملك تلك الأمة رسولا بأمره بغزو بني إسرائيل فتكون البعثة بأمر ، ويحتمل أن يكون عبر بالبعث عما ألقى في نفس الملك أي غزاهم انتهى . أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أي قتال وحرب شديد لقوتهم ونجدتهم وكثرة عددهم وعددهم . وقرأ الجمهور فَجاسُوا بالجيم . وقرأ أبو السمال وطلحة فحاسوا بالحاء المهملة . وقرئ فتجوسوا على وزن تكسروا بالجيم . وقرأ الحسن خِلالَ الدِّيارِ واحدا ويجمع على خلل كجبل وجبال ، ويجوز أن يكون خلال مفردا كالخلل وهو وسط الديار وما بينها ، والجمهور على أنه في هذه البعثة الأولى خرّب بيت المقدس ووقع القتل فيهم والجلاء والأسر . وعن ابن عباس ومجاهد : أنه حين غزوا جاس الغازون خلال الديار ولم يكن قتل ولا قتال في بني إسرائيل ، وانصرفت عنهم الجيوش . والضمير في وَكانَ عائدا على وعد أولاهما . قال الزمخشري : وكان وعد العقاب وعدا لا بد أن يفعل انتهى . وقيل يعود على الجيوش ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ هذا إخبار من اللّه لبني إسرائيل في التوراة ، وجعل رَدَدْنا موضع نرد إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد لكنه لما كان وعد اللّه في غاية الثقة أنه يقع عبر عن مستقبله بالماضي ، والكرة الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليهم حتى تابوا ورجعوا عن الفساد ملكوا بيت المقدس قبل الكرة قبل بختنصر واستبقاء بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم ، وذكر في سبب ذلك أن ملكا غزا أهل بابل وكان بختنصر قد قتل من بني إسرائيل أربعين ألفا ممن يقرأ
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 129 .