أبي حيان الأندلسي
7
البحر المحيط في التفسير
والطلاب . قيل : ودخلت الهاء للمبالغة لشدة ما يقع فيه من الهول ، وسمي بذلك إما لقيامهم من القبور ، أو لقيامهم للحساب . قال تعالى : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » ولما كان الحشر جائزا بالعقل ، واجبا بالسمع ، أكده بالقسم قبله وبالجملة بعده من قوله : لا ريب فيه . واحتمل الضمير في فيه أن يعود إلى اليوم ، وهو الظاهر . وأن يعود على المصدر المفهوم من قوله تعالى : ليجمعنكم . وتقدم تفسير لا ريب فيه في أول البقرة . وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً . هذا استفهام معناه النفي ، التقدير : لا أحد أصدق من اللّه حديثا . وفسر الحديث بالخبر أو بالوعد قولان ، والأظهر هنا الخبر . قال ابن عطية : وذلك أنّ دخول الكذب في حديث البشر إنما علته الخوف أو الرجاء أو سوء السجية ، وهذه منفية في حق اللّه تعالى ، والصدق في حقيقته أن يكون ما يجري على لسان المخبر موافقا لما في قلبه ، والأمر المخبر عنه في وجوده انتهى . وقال الماتريدي : أي إنكم تقبلون حديث بعضكم من بعض مع احتمال صدقه وكذبه ، فإن تقبلوا حديث من يستحيل عليه الكذب في كل ما أخبركم به من طريق الأولى . وطوّل الزمخشري هنا إشعارا بمذهبه فقال : لا يجوز عليه الكذب ، وذلك أنّ الكذب مستقل بصارف عن الإقدام عليه وهو قبحه الذي هو كونه كذبا وإخبارا عن الشيء بخلاف ما هو عليه ، فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب ، ليجرّ منفعة ، أو يدفع مضرة ، أو هو غني عنه ، إلا أنه يجهل غناه ، أو هو جاهل بقبحه ، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في أخباره ، ولا يبالي بأيهما نطق ، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق . وعن بعض السفهاء : أنه عوتب على الكذب فقال : لو غرغرت لهراتك به ، ما فارقته . وقيل لكذاب : هل صدقت قط ؟ فقال : لولا أني صادق في قولي لا ، لقلتها . فكان الحكيم الغني الذي لا تجوز عليه الحاجات ، العالم بكل معلوم ، منزها عنه كما هو منزه عن سائر القبائح انتهى . وكلامه تكثير لا يليق بكتابه ، فإنه مختصر في التفسير . وقرأ حمزة والكسائي : أصدق بإشمام الصاد زايا ، وكذا فيما كان مثله من صاد ساكنة بعدها دال ، نحو : يصدقون وتصدية . وأما إبدالها زايا محضة في ذلك فهي لغة كلب . وأنشدوا : يزيد اللّه في خيراته * حامي الذمار عند مصدوقاته يريد : عند مصدوقاته .
--> ( 1 ) سورة المطففين : 83 / 6 .