أبي حيان الأندلسي

8

البحر المحيط في التفسير

فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ذكروا في سبب نزولها أقوالا طولوا بها وملخصها : أنّهم قوم أسلموا فاستوبئوا المدينة فخرجوا ، فقيل لهم : أما لكم في الرسول أسوة ؟ أو ناس رجعوا من أحد لما خرج الرسول ، وهذا في الصحيحين من قول زيد بن ثابت . أو ناس بمكة تكلموا بالإسلام وهم يعينون الكفار ، فخرجوا من مكة . قال الحسن ، ومجاهد : خرجوا لحاجة لهم ، فقال قوم من المسلمين ، اخرجوا إليهم فاقتلوهم ، فإنهم يظاهرون عدوكم . وقال قوم : كيف نقتلهم وقد تكلموا بالإسلام ؟ رواه ابن عطية عن ابن عباس . أو قوم قدموا المدينة وأظهروا الإسلام ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك ، أو قوم أعلنوا الإيمان بمكة وامتنعوا من الهجرة قاله : الضحاك . أو العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يسارا ، أو المنافقون الذين تكلموا في حديث الإفك . وما كان من هذه الأقوال يتضمن أنهم كانوا بالمدينة ، يردّه قوله : حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ « 1 » إلا إن حملت المهاجرة على هجرة ما نهى اللّه عنه ، والمعنى : أنه تعالى أنكر عليهم اختلافهم في نفاق من ظهر منه النفاق أي : من ظهر منه النفاق قطع بنفاقه ، ولو لم يكونوا باديا نفاقهم ، لما أطلق عليه اسم النفاق . وفي المنافقين متعلق بما تعلق به لكم ، وهو كائن أي : أيّ شيء كائن لكم في شأن المنافقين . أو بمعنى فئتين أي : فرقتين في أمر المنافقين . وانتصب فئتين على الحال عند البصريين من ضمير الخطاب في لكم ، والعامل فيها العامل في لكم . وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على إضمار كان أي : كنتم فئتين . ويجيزون مالك الشاتم أي : كنت الشاتم ، وهذا عند البصريين لا يجوز ، لأنه عندهم حال ، والحال لا يجوز تعريفها . وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أي : رجّعهم وردّهم في كفرهم قاله : ابن عباس ، واختار الفراء والزجاج : أوبقهم . روي عن ابن عباس : أو أضلهم ، قاله السدي . أو أهلكهم قاله قتادة ، أو نكسهم قاله الزجاج . وكلها متقاربة . ومن عبر به عن الإهلاك فإنه أخذ بلازم الإركاس . ومعنى بما كسبوا أي : بما أجراه اللّه عليهم من المخالفة ، وذلك الإركاس هو بخلق اللّه واختراعه ، وينسب للعبد كسبا . وقال الزمخشري : واللّه أركسهم أي : ردّهم في حكم المشركين كما كانوا بما كسبوا من ارتدادهم ، ولحوقهم بالمشركين ، واحتيالهم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . أو أركسهم في الكفر

--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 89 .