أبي حيان الأندلسي
6
البحر المحيط في التفسير
اشتقاق : التوراة ، ففيه قولان : أحدهما : إنها من : ورى الزند يري ، إذا قدح وظهر منه النار ، فكأن التوراة ضياء من الضلال ، وهذا الاشتقاق قول الجمهور . وذهب أبو فيد مؤرج السدوسي إلى أنها مشتقة من : ورّى ، كما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أراد سفرا ورى بغيره ، لأن أكثر التوراة تلويح . وأما وزنها فذهب الخليل ، وسيبويه ، وسائر البصريين إلى أن وزنها : فوعلة ، والتاء بدل من الواو ، كما أبدلت في : تولج ، فالأصل فيها ووزنه : وولج ، لأنهما من ورى ، ومن ولج . فهي : كحوقلة ، وذهب الفراء إلى أن وزنها : تفعلة ، كتوصية . ثم أبدلت كسرة العين فتحة والياء ألفا . كما قالوا في : ناصية ، وجارية : ناصاة وجاراه . وقال الزجاج : كأنه يجيز في توصية توصأة ، وهذا غير مسموع . وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها : تفعلة ، بفتح العين من : وريت بك زنادي ، وتجوز إمالة التوراة . وقد قرئ بذلك على ما سيأتي ان شاء اللّه تعالى . الإنجيل : اسم عبراني أيضا ، وينبغي أن لا يدخله اشتقاق ، وأنه لا يوزن ، وقد قالوا : وزنه فعيل . كإجفيل ، وهو مشتق من النجل ، وهو الماء الذي ينز من الأرض . قال الخليل : استنجلت الأرض نجالا ، وبها نجال ، إذا خرج منها الماء . والنجل أيضا : الولد والنسل ، قاله الخليل ، وغيره . ونجله أبوه أي : ولده . وحكى أبو القاسم الزجاجي في نوادره : أن الولد يقال له : نجل ، وأن اللفظة من الأضداد ، والنجل أيضا : الرمي بالشيء . وقال الزجاج : الإنجيل مأخوذ من النجل ، وهو الأصل ، فهذا ينحو إلى ما حكاه الزجاجي . قال أبو الفتح : فهو من نجل إذا ظهر ولده ، أو من ظهور الماء من الأرض ، فهو مستخرج إما من اللوح المحفوظ ، وإما من التوراة . وقيل : هو مشتق من التناجل ، وهو التنازع ، سمي بذلك لتنازع الناس فيه . وقال الزمخشري : التوراة والإنجيل اسمان أعجميان ، وتكلف اشتقاقهما من الوري والنجل ، ووزنهما متفعلة وإفعيل : إنما يصح بعد كونهما عربيين . انتهى . وكلامه صحيح ، إلّا أن في كلامه استدراكا في قوله : متفعلة ، ولم يذكر مذهب البصريين في أن وزنها : فوعلة ، ولم ينبه في : تفعلة ، على أنها مكسورة العين ، أو مفتوحتها . وقيل : هو مشتق من نجل العين ، كأنه وسع فيه ما ضيق في التوراة .