أبي حيان الأندلسي

14

البحر المحيط في التفسير

قال ابن كيسان : موضع : ألم ، نصب ، والتقدير : قرءوا ألم ، و : عليكم ألم . ويجوز أن يكون في موضع رفع بمعنى : هذا ألم ، و : ذلك ألم . وتقدم من قول الجرجاني أن يكون مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : هذه الحروف كتابك . وقرأ عمر بن الخطاب وعبد اللّه بن مسعود ، وعلقمة بن قيس : القيام . وقال خارجة في مصحف عبد اللّه : القيم ، وروي هذا أيضا عن علقمة . اللَّهُ رفع على الابتداء ، وخبره : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ و نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ خبر بعد خبر ، ويحتمل أن يكون : نزل ، هو الخبر ، و : لا إله إلا هو ، جملة اعترض . وتقدم في آية الكرسي استقصاء إعراب : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فأغنى عن إعادته هنا . وقال الرازي : مطلع هذه السورة عجيب ، لأنهم لما نازعوا كأنه قيل : إما أن تنازعوا في معرفة اللّه ، أو في النبوة ، فإن كان الأول فهو باطل ، لأن الأدلة العقلية دلت على أنه : حي قيوم ، والحي القيوم يستحيل أن يكون له ولد ، وإن كان في الثاني فهو باطل ، لأن الطريق الذي عرفتم أن اللّه تعالى أنزل التوراة والإنجيل ، هو بعينه قائم هنا ، وذلك هو المعجزة . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ الكتاب هنا : القرآن ، باتفاق المفسرين ، وتكرر كثيرا ، والمراد القرآن ، فصار علما . بالغلبة . وقرأ الجمهور : نزّل ، مشددا و : الكتاب ، بالنصب ، وقرأ النخعي ، والأعمش ، وابن أبي عبلة : نزل ، مخففا ، و : الكتاب ، بالرفع ، وفي هذه القراءة تحتمل الآية وجهين : أحدهما : أن تكون منقطعة . والثاني : أن تكون متصلة بما قبلها ، أي : نزل الكتاب عليك من عنده ، وأتى هنا بذكر المنزل عليه ، وهو قوله : عليك ، ولم يأت بذكر المنزل عليه التوراة ، ولا المنزل عليه الإنجيل ، تخصيصا له وتشريفا بالذكر ، وجاء بذكر الخطاب لما في الخطاب من المؤانسة ، وأتى بلفظة : على ، لما فيها من الاستعلاء . كأن الكتاب تجلله وتغشاه ، صلى اللّه عليه وسلم . ومعنى : بالحق : بالعدل ، قاله ابن عباس ، وفيه وجهان : أحدهما : العدل فيما استحقه عليك من حمل أثقال النبوة . الثاني : بالعدل فيما اختصك به من شرف النبوة .