أبي حيان الأندلسي

15

البحر المحيط في التفسير

وقيل : بالصدق فيما اختلف فيه ، قاله محمد بن جرير . وقيل : بالصدق فيما تضمنه من الأخبار عن القرون الخالية . وقيل : بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على الطاعة ، ومن الوعيد بالعقاب على المعصية . وقيل : معنى بالحق : بالحجج والبراهين القاطعة . والباء : تحتمل السببية أي : بسبب إثبات الحق ، وتحتمل الحال ، أي : محقا نحو : خرج زيد بسلاحه ، أي متسلحا . مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي : من كتب الأنبياء ، وتصديقه إياها أنها أخبرت بمجيئه ، ووقوع المخبر به يجعل المخبر صادقا ، وهو يدل على صحة القرآن ، لأنه لو كان من عند غير اللّه لم يوافقها ، قاله أبو مسلم . وقيل : المراد منه أنه لم يبعث نبيا قط ، إلّا بالدعاء إلى توحيده ، والإيمان ، وتنزيهه عما لا يليق به ، والأمر بالعدل والإحسان ، والشرائع التي هي صلاح أهل كل زمان . فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك ، والقرآن ، وإن كان ناسخا لشرائع أكثر الكتب ، فهي مبشرة بالقرآن وبالرسول ، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثة اللّه تعالى رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن . فقد وافقت القرآن ، وكان مصدقا لها لأن الدلائل الدالة على ثبوت الإلهية لا تختلف . وانتصاب : مصدقا ، على الحال من الكتاب ، وهي حال مؤكدة ، وهي لازمة ، لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق لما بين يديه ، فهو كما قال : أنا ابن دارة معروفا به نسبي * وهل بدارة يا للناس من عار ؟ وقيل : انتصاب : مصدقا ، على أنه بدل من موضع : بالحق ، وقيل : حال من الضمير المجرور . و : لما ، متعلق بمصدقا ، واللام لتقوية التعدية ، إذ : مصدقا ، يتعدى بنفسه ، لأن فعله يتعدى بنفسه . والمعنى هنا بقوله لِما بَيْنَ يَدَيْهِ المتقدم في الزمان . وأصل هذا أن يقال : لما يتمكن الإنسان من التصرف فيه . كالشئ الذي يحتوي عليه ، ويقال : هو بين يديه إذا كان قدامه غير بعيد . وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ فخم راء التوراة ابن كثير ، وعاصم ، وابن عامر ، وأضجعها : أبو عمرو ، والكسائي . وقرأها بين اللفظين : حمزة ، ونافع . وروى المسيبي عن نافع فتحها .