أبي حيان الأندلسي

13

البحر المحيط في التفسير

ووقفا ، فلو التقى آخر مسكن منها ، بساكن آخر ، حرك لالتقاء الساكنين . فهذه الحركة التي في ميم : ألم اللّه ، هي حركة التقاء الساكنين . والكلام على تفسير : ألم ، تقدم في أول البقرة ، واختلاف الناس في ذلك الاختلاف المنتشر الذي لا يوقف منه على شيء يعتمد عليه في تفسيره وتفسير أمثاله من الحروف المقطعة . والكلام على : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ تقدم في آية وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ « 1 » وفي أول آية الكرسي ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وذكر ابن عطية عن القاضي الجرجاني أنه ذهب في النظم إلى أن أحسن الأقوال هنا أن يكون ألم إشارة إلى حروف المعجم ، كأنه يقول : هذه الحروف كتابك ، أو نحو هذا . ويدل قوله : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ على ما ترك ذكره ، مما هو خبر عن الحروف ، قال : وذلك في نظمه مثل قوله : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ « 2 » ترك الجواب لدلالة قوله : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ « 3 » عليه ، تقديره : كمن قسا قلبه . ومنه قول الشاعر : فلا تدفنوني ، إن دفني محرم * عليكم ، ولكن خامري أم عامر أي : ولكن اتركوني للتي يقال لها : خامري أم عامر . قال ابن عطية : يحسن في هذا القول أن يكون نزل خبر قوله : اللّه ، حتى يرتبط الكلام إلى هذا المعنى الذي ذكره الجرجاني ، وفيه نظر ، لأن مثليته ليست صحيحة الشبه بالمعنى الذي نحا إليه ، وما قاله في الآية محتمل ، ولكن الأبرع في نظم الآية أن يكون ألم لا يضم ما بعدها إلى نفسها في المعنى ، وأن يكون اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ كلاما مبتدأ جزما ، جملة رادّة على نصارى نجران الذين وفدوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فحاجوه في عيسى بن مريم ، وقالوا : إنه اللّه . انتهى كلامه .

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 163 . ( 2 ) سورة الزمر : 39 / 22 . ( 3 ) سورة الزمر : 39 / 22 .