أبي حيان الأندلسي
763
البحر المحيط في التفسير
دعائكم : ربنا لا تؤاخذنا ، والدعاء مخّ العبادة ، إذ الداعي يشاهد نفسه في مقام الحاجة والذلة والافتقار ، ويشاهد ربه بعين الاستغناء والإفضال ، فلذلك ختمت هذه الصورة بالدعاء والتضرع ، وافتتحت كل جملة منها بقولهم : ربنا ، إيذانا منهم بأنهم يرغبون من ربهم الذي هو مربيهم ، ومصلح أحوالهم ، ولأنهم مقرون بأنهم مربوبون داخلون تحت رق العبودية والافتقار ، ولم يأت لفظ : ربنا ، في الجمل الطلبية أخيرا لأنها نتائج ما تقدّم من الجمل التي دعوا فيها : بربنا ، وجاءت مقابلة كل جملة من الثلاث السوابق جملة ، فقال لا تُؤاخِذْنا بقوله وَاعْفُ عَنَّا وقابل وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً . بقوله : وَاغْفِرْ لَنا وقابل قوله وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ بقوله : وَارْحَمْنا لأن من آثار عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ العفو ، ومن آثار عدم حمل الإصر عليهم المغفرة ، ومن آثار عدم تكليف ما لا يطاق الرحمة . ومعنى : المؤاخذة ، العاقبة . وفاعل هنا بمعنى الفعل المجرد ، نحو : أخذ ، لقوله : فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ « 1 » وهو أحد المعاني التي جاءت لها فاعل ، وقيل : جاء بلفظ المفاعلة ، وهو فعل واحد ، لأن المسئ قد أمكن من نفسه ، وطرق السبيل إليها بفعله ، فصار من يعاقب بذنبه كالمعين لنفسه في إيذائها ، وقيل إنه تعالى يأخذ المذنب بالعقوبة ، والمذنب كأنه يأخذ ربه بالمطالبة بالعفو والكرم ، إذ لا يجد من يخلصه من عذاب اللّه إلّا هو تعالى ، فلذلك يتمسك العبد عند الخوف منه به ، فعبر عن كل واحد بلفظ المؤاخذة والنسيان الذي هو : عدم الذكر ، والخطأ موضوعان عن المكلف لا يؤاخذ بهما ، فقال عطاء : نسينا : جهلنا ، وأخطأنا : تعمدنا ، وقال قطرب ، والطبري : نسينا : تركنا وأخطأنا . قال الطبري : قصدنا . وقال قطرب : أخطأنا في التأويل . قال الأصمعي : يقال أخطأ : سها وخطئ تعمد . قال الشاعر : والناس يلحون الأمير إذا هم * خطئوا الصواب ولا يلام المرشد ومن المفسرين من حمل النسيان هنا والإخطاء على ظاهرهما ، وهما اللذان لا يؤاخذ المكلف بهما ، وتجوّز عنهما إن صدرا منه ، وإياه أجاز الزمخشري في آخر كلامه في هذه الآية ، واختاره ابن عطية . قال الزمخشري : ذكر النيسان والخطأ والمراد بهما ما هما منسيان عنه من التفريط والإغفال ألا ترى إلى قوله وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ ؟ « 2 » والشيطان
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : 29 / 40 . ( 2 ) سورة الكهف : 18 / 63 .