أبي حيان الأندلسي

764

البحر المحيط في التفسير

لا يقدر على فعل النسيان ، وإنما يوسوس ، فتكون وسوسته سببا للتفريط الذي منه النسيان ، ولأنهم كانوا متقين للّه حق تقاته ، فما كانت تفرط منهم فرطة إلّا على وجه النسيان والخطأ ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذانا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به ، كأنه قيل : إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به فما منهم سبب مؤاخذة إلّا الخطأ والنسيان ، ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل اللّه ، لاستدامته والاعتداد بالنعمة فيه . انتهى كلامه . قال ابن عطية : ذهب كثير من العلماء إلى أن الدعاء في هذه الآية إنما هو في النسيان الغالب والخطأ عن المقصود ، وهذا هو الصحيح . قال قتادة في تفسير الآية : بلغني أن النبي عليه السلام قال : « إن اللّه تجاوز لأمتي عن نسيانها وخطئها » . وقال السدي : لما نزلت هذه الآية تغالوا . قال جبريل للنبي صلى اللّه عليه وسلم : قد فعل اللّه ذلك يا محمد . فظاهر قوليهما ، يعني قتادة والسدي ما صححته . وذلك أن المؤمنين لما كشف عنهم ما خافوه في قوله تعالى : يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ أمروا بالدعاء في دفع ذلك النوع الذي ليس من طاقة الإنسان دفعه ، وذلك في النسيان والخطأ . انتهى كلامه . وقيل : النسيان فيه ومنه ما لا يعذر فالأول ، كنسيان النجاسة في الثوب بعد العلم بها ، فمثل هذا هو المطلوب عدم المؤاخذة به ، وهو ما إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب الذكر ، وقيل : هذا دعاء على سبيل التقدير ، فكأنهم قالوا : إن كان النسيان مما تجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذ به ، وقيل : المؤاخذة به غير ممتنعة عقلا ، وذلك أن الإنسان إذا علم أنه مؤاخذ به استدام التذكر ، فحينئذ لا يصدر عنه إلّا استدامة التذكر ، وذلك فعل شاق على النفس ، فحسن الدعاء بترك المؤاخذة به . وقد استدل بهذه الآية على جواز تكليف ما لا يطاق ، وقيل : في الآية دليل على حصول العفو لأصحاب الكبائر ، لأن حمل النسيان والخطأ على ما لا يؤاخذ به قبيح طلبه والدعاء به ، فتعين أن يحمل على ما كان فيه العمد إلى المعصية ، فيكون النسيان ترك الفعل ، والخطأ الفعل . وقد أمر تعالى المؤمنين بطلب عدم المؤاخذة بهما ، فهو أمر منه لهم أن يطلبوا منه أن لا يعذبهم على المعاصي ، وهذا دليل على إعطائه إياهم هذا المطلوب . رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا قال ابن عباس ،