أبي حيان الأندلسي

663

البحر المحيط في التفسير

وانتصاب رئاء على أنه مفعول من أجله ، أو مصدر في موضع الحال . وقرأ طلحة بن مصرف : رياء بابدال الهمزة الأولى ياء لكسر ما قبلها ، وهي مروية عن عاصم . فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً هذا تشبيه ثان ، واختلف في الضمير في قوله : فَمَثَلُهُ فالظاهر أنه عائد على كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ لقربه منه ، ولإفراده ضرب اللّه لهذا المنافق المرائي ، أو الكافر المباهي ، المثل بصفوان عليه تراب ، يظنه الظان أرضا منبتة طيبة ، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب ، فيبقى صلدا منكشفا ، وأخلف ما ظنه الظان ، كذلك هذا المنافق يري الناس أن له أعمالا كما يرى التراب على هذا الصفوان ، فإذا كان يوم القيامة اضمحلت وبطلت ، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب . وقيل : الضمير في فَمَثَلُهُ عائد على المانّ المؤذي ، وأنه شبه بشيئين أحدهما : بالذي ينفق ماله رئاء الناس ، والثاني : بصفوان عليه تراب ، ويكون قد عدل من خطاب إلى غيبة ، ومن جمع إلى افراد . قال القاضي عبد الجبار : ذكر تعالى لكيفية إبطال الصدقة بالمنّ والأذى مثلين ، فمثله أولا بمن ينفق ماله رئاء الناس ، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن باللّه واليوم الآخر ، لأن إبطال نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها بالمنّ والأذى . ثم مثله ثانيا بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار . ثم إذا أصابه المطر القوي فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما عليه تراب ولا غبار أصلا ، قال : فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان ، فكذا المنّ والأذى يجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله ، وذلك صريح القول في الإحاطة والتكفير . انتهى كلامه . وهو مبني على ما قدّمناه عنه في القول في الإحباط والتكفير في قوله : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ من أن الصدقة وقعت صحيحة ثم بطلت بالمنّ والأذى ، وتقدّم القول بأن المعنى : لا توقعوها باطلة ، ويدل على هذا المعنى التشبيه بقوله : كالذي ينفق ، فان نفقته وقعت باطلة لمقارنة الكفر لها ، فيمتنع دخولها صحيحة في الوجود . وأما التمثيل الثاني فإنه عند عبد الجيار وأصحابه ، جعل الوابل مزيلا لذلك التراب بعد كينونته عليه ، فكذلك المنّ والأذى مزيلان للأجر بعد حصول استحقاقه ، وعند غيرهم أن المشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو الصدقة المقترنة بالنية الفاسدة التي لولاها