أبي حيان الأندلسي

616

البحر المحيط في التفسير

الجزية . وقال الزجاج : لا تنسبوا إلى الكراهة من أسلم مكرها ، يقال : أكفره نسبه إلى الكفر . قال الشاعر : وطائفة قد أكفروني بحبهم * وطائفة قالوا : مسيء ومذنب وقيل : لا يكره على الإسلام من خرج إلى غيره . وقال أبو مسلم ، والقفال : معناه أنه ما بنى تعالى أمر الإيمان على الإجبار والقسر ، وإنما بناه على التمكن والاختيار ، ويدل على هذا المعنى أنه لما بيّن دلائل التوحيد بيانا شافيا ، قال بعد ذلك : لم يبق عذر في الكفر إلّا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه ، وهذا ما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء ، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء . ويؤكد هذا قوله بعد : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ يعني : ظهرت الدلائل ووضحت البينات ، ولم يبق بعدها إلّا طريق القسر والإلجاء وليس بجائز لأنه ينافي التكليف ، وهذا الذي قاله أبو مسلم والقفال لائق بأصول المعتزلة ، ولذلك قال الزمخشري : لم يجر اللّه أمر الإيمان على الإجبار والقسر ، ولكن على التمكين والاختيار ، ونحوه قوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ « 1 » أي : لو شاء لقسرهم على الإيمان ، ولكنه لم يفعل ، وبنى الأمر على الاختيار . والدين هنا ملة الإسلام واعتقاده ، والألف واللام للعهد ، وقيل : بدل من الإضافة أي : في دين اللّه . قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أي : استبان الإيمان من الكفر ، وهذا يبين أن الدين هو معتقد الإسلام . وقرأ الجمهور : الرشد ، على وزن القفل ، والحسن : الرشد ، على وزن العنق . وأبو عبد الرحمن : الرشد ، على وزن الجبل ، ورويت هذه أيضا عن الشعبي ، والحسن ومجاهد . وحكى ابن عطية عن أبي عبد الرحمن : الرشاد ، بالألف . والجمهور على إدغام دال ، قد ، في : تاء ، تبين . وقرئ شاذا بالإظهار ، وتبين الرشد ، بنصب الأدلة الواضحة وبعثة الرسول الداعي إلى الإيمان ، وهذه الجملة كأنها كالعلة لانتفاء الإكراه في الدين ، لأن وضوح الرشد واستبانته تحمل على الدخول في الدين طوعا من غير إكراه ، ولا موضع لها من الإعراب .

--> ( 1 ) سورة يونس : 10 / 99 .