أبي حيان الأندلسي

617

البحر المحيط في التفسير

فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى الطاغوت : الشيطان . قاله عمر ، ومجاهد ، والشعبي ، والضحاك ، وقتادة ، والسدّي . أو : الساحر ، قاله ابن سيرين ، وأبو العالية . أو : الكاهن ، قاله جابر ، وابن جبير ، ورفيع ، وابن جريح . أو : ما عبد من دون اللّه ممن يرضى ذلك : كفرعون ، ونمروذ ، قاله الطبري . أو : الأصنام ، قاله بعضهم . وينبغي أن تجعل هذه الأقوال كلها تمثيلا ، لأن الطاغوت محصور في كل واحد منها . قال ابن عطية وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان باللّه ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت . انتهى . وناسب ذلك أيضا اتصاله بلفظ الغي ، ولأن الكفر بالطاغوت متقدّم على الإيمان باللّه ، لأن الكفر بها هو رفضها ، ورفض عبادتها ، ولم يكتف بالجملة الأولى لأنها لا تستلزم الجملة الثانية ، إذ قد يرفض عبادتها ولا يؤمن باللّه ، لكن الإيمان يستلزم الكفر بالطاغوت ، ولكنه نبه بذكر الكفر بالطاغوت على الانسلاخ بالكلية ، مما كان مشتبها به ، سابقا له قبل الإيمان ، لأن في النصية عليه مزيد تأكيد على تركه . وجواب الشرط : فقد استمسك ، وأبرز في صورة الفعل الماضي المقرون بقد الدالة في الماضي على تحقيقه ، وإن كان مستقبلا في المعنى لأنه جواب الشرط ، إشعارا بأنه مما وقع استمساكه وثبت وذلك للمبالغة في ترتيب الجزاء على الشرط ، وأنه كائن لا محالة لا يمكن أن يتخلف عنه ، و : بالعروة ، متعلق باستمسك ، جعل ما تمسك به من الإيمان عروة ، وهي في الأجرام موضع الإمساك وشد الأيدي شبه الإيمان بذلك . قال الزمخشري : وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر ، والاستدلال بالمشاهد المحسوس ، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه ، فيحكم اعتقاده والتيقن . والمشبه بالعروة الإيمان ، قاله : مجاهد . أو : الإسلام قاله السدّي أو : لا إله إلا اللّه ، قاله ابن عباس ، وابن جبير ، والضحاك ، أو : القرآن ، قاله السدّي أيضا ، أو : السنة ، أو : التوفيق . أو : العهد الوثيق . أو : السبب الموصل إلى رضا اللّه وهذه أقوال متقاربة . لَا انْفِصامَ لَها لا انكسار لها ولا انقطاع ، قال الفراء : الانفصام والانقصام هما لغتان ، وبالفاء أفصح ، وفرق بعضهم بينهما ، فقال : الفصم انكسار بغير بينونة ، والقصم انكسار ببينونة .