أبي حيان الأندلسي
551
البحر المحيط في التفسير
إقامته أمن ، فكان السفر مظنة الخوف ، كما أن دار الإقامة محل الأمن . وقيل : معنى فإذا أمنتم أي : زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة . وقيل : فإذا كنتم آمنين ، أي : متى كنتم على أمن قبل أو بعد . . فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالشكر والعبادة كَما عَلَّمَكُمْ أي : أحسن إليكم بتعليمكم ما كنتم جاهليه من أمر الشرائع ، وكيف تصلون في حال الخوف وحال الأمن . و : ما ، مصدرية ، و : الكاف ، للتشبيه . أمر أن يذكروا اللّه تعالى ذكرا يعادل ويوازي نعمة ما علمهم ، بحيث يجتهد الذاكر في تشبيه ذكره بالنعمة في القدر والكفاءة ، وإن لم يقدر على بلوغ ذلك . ومعنى : كما علمكم ، كما أنعم عليكم فعلمكم ، فعبر بالمسبب عن السبب ، لأن التعليم ناشئ عن إنعام اللّه على العبد وإحسانه له . وقد تكون الكاف للتعليل ، أي : فاذكروا اللّه لأجل تعليمه إياكم أي : يكون الحامل لكم على ذكره وشكره وعبادته تعليمه إياكم ، لأنه لا منحة أعظم من منحة العلم . ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ما : مفعول ثان لعلمكم ، وفيه الامتنان بالتعليم على العبد ، وفي قوله : ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ إفهام أنكم علمتم شيئا لم تكونوا لتصلوا لإدراكه بعقولكم لولا انه تعالى علمكموه ، أي : أنكم لو تركتم دون تعليم لم تكونوا لتعلموه أبدا . وحكى النقاش وغيره أن معنى : فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي صلوا الصلاة التي قد علمتموها ، أي : صلاة تامة بجميع شروطها وأركانها وتكون : ما ، في : كَما عَلَّمَكُمْ موصولة أي : فصلوا الصلاة كالصلاة التي علمكم ، وعبر بالذكر عن الصلاة والكاف إذ ذاك للتشبيه بين هيئتي الصلاتين : الصلاة التي كانت أولا قبل الخوف ، والصلاة التي كانت بعد الخوف في حالة الأمن . قال ابن عطية : وعلى هذا التأويل : ما لَمْ تَكُونُوا بدل من : ما ، التي في قوله : كما ، وإلّا لم يتسق لفظ الآية . انتهى . وهو تخريج يمكن ، وأحسن منه أن يكون بدلا من الضمير المحذوف في علمكم العائد على ما ، إذ التقدير علمكموه ، أي : علمكم ما لم تكونوا تعلمون . وقد أجاز النحويون : جاءني الذي ضربت أخاك ، أي ضربته أخاك ، على البدل من الضمير المحذوف