أبي حيان الأندلسي
505
البحر المحيط في التفسير
لطلب الاستعطاف والإشفاق . وقدم ذكر عدم مضارة الوالدة على عدم مضارة الوالد مراعاة للجملتين الأوليين ، إذ بدئ فيهما بحكم الوالدات ، وثنى بحكم الوالد في قوله : لا تضار ، دلالة على أنه إذا اجتمع مؤنث ومذكر معطوفان ، فالحكم في الفعل السابق عليهما للسابق منهما ، تقول : قام زيد وهند وقامت هند وزيد ، ويقوم زيد وهند ، وتقوم هند وزيد ، إلّا إن كان المؤنث مجازيا بغير علامة تأنيث فيه فيحسن عدم إلحاق العلامة ، كقوله تعالى : وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ « 1 » . وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ هذا معطوف على قوله : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ والجملتان قبل هذا كالتفسير لقوله : بالمعروف ، اعتراض بهما بين المتعاطفين . وقرأ يحيى بن يعمر : وعلى الورثة مثل ذلك ، بالجمع . والظاهر في الوارث أنه وارث المولود له لعطفه عليه ، ولأن المولود له وهو الأب هو المحدث عنه في جملة المعطوف عليه ، والمعنى : أنه إذا مات المولود له وجب على وارثه ما وجب عليه من رزق الوالدات ، وكسوتهن بالمعروف ، وتجنب الضرار . وروي هذا عن عمر ، والحسن ، وقتادة ، والسدي : وخصه بعضهم بمن يرث من الرجال يلزمه الإرضاع كما كان يلزم أبا الصبي . لو كان حيا ، وقاله مجاهد ، وعطاء . وقال سفيان : الوارث هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما ، ويرى مع ذلك إن كانت الوالدة هي الباقية أن يشاركها العاصب إرضاع المولود على قدر حظه من الميراث ، كما قال : « واجعله الوارث منا » . وقال قبيصة بن ذؤيب ، والضحاك ، وبشير بن نصر ، قاضي عمر بن عبد العزيز الوارث هو الصبي نفسه ، أي : عليه في ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه ، وقال بعضهم : الوارث الولد تجب عليه نفقة الوالدين الفقيرين ، ذكره السجاوندي عن قبيصة بن ذؤيب . فعلى هذه الأقوال تكون : الألف واللام في قوله : وَعَلَى الْوارِثِ كأنها نابت عن الضمير العائد على : المولود له ، كأنه قيل : وعلى وارث المولود له . وقال عطاء أيضا ، ومجاهد ، وابن جبير ، وقتادة ، والسدي ، ومقاتل ، وابن أبي ليلى ، والحسن بن صالح في آخرين : الوارث وارث المولود .
--> ( 1 ) سورة القيامة : 75 / 9 .