أبي حيان الأندلسي
343
البحر المحيط في التفسير
ومفعول : ينظرون ، هو ما بعد إلّا ، أي : ما ينتظرون إلّا إتيان اللّه ، وهو استثناء مفرغ ، قيل : وينظرون هنا ليست من النظر الذي هو تردد العين في المنظور إليه ، لأنه لو كان من النظر لعدى بإلى ، وكان مضافا إلى الوجه ، وإنما هو من الانتظار . انتهى . وهذا التعليل ليس بشيء لأنه يقال : هو من النظر ، وهو تردد العين . وهو معدى بإلى ، لكنها محذوفة ، والتقدير : هل ينظرون إلّا إلى أن يأتيهم اللّه ؟ وحذف حرف الجر مع أن إذا لم يلبس قياس مطرد ، ولا لبس هنا ، فحذفت : إلى ، وقوله : وكان مضافا إلى الوجه يشير إلى قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ « 1 » فكذلك ليس بلازم ، قد نسب النظر إلى الذوات كثيرا كقوله : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ « 2 » أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ « 3 » والضمير في : ينظرون ، عائد على الذالين ، وهو التفات من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة . والإتيان : حقيقة في الانتقال من حيز إلى حيز ، وذلك مستحيل بالنسبة إلى اللّه تعالى ، فروى أبو صالح عن ابن عباس : أن هذا من المكتوم الذي لا يفسر ، ولم يزل السلف في هذا وأمثاله يؤمنون ، ويكلون فهم معناه إلى علم المتكلم به ، وهو اللّه تعالى . والمتأخرون تأولوا الإتيان وإسناده على وجوه : أحدها : أنه إتيان على ما يليق باللّه تعالى من غير انتقال . الثاني : أنه عبر به عن المجازات لهم ، والانتقام ، كما قال : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ « 4 » فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا « 5 » . الثالث : أن يكون متعلق الإتيان محذوفا ، أي : أن يأتيهم اللّه بما وعدهم من الثواب ، والعقاب ، قاله الزجاج . الرابع : أنه على حذف مضاف ، التقدير : أمر اللّه ، بمعنى : ما يفعله اللّه بهم ، لا الأمر الذي مقابله النهي ، ويبينه قوله بعد : وَقُضِيَ الْأَمْرُ . الخامس : قدرته ، ذكره القاضي أبو يعلى عن أحمد . السادس : أن في ظلل ، بمعنى بظلل ، فيكون : في ، بمعنى : الباء ، كما قال .
--> ( 1 ) سورة القيامة : 75 / 22 . ( 2 ) سورة الغاشية : 88 / 17 . ( 3 ) سورة الأعراف : 7 / 143 . ( 4 ) سورة النحل : 16 / 26 . ( 5 ) سورة الحشر : 59 / 2 .