أبي حيان الأندلسي
344
البحر المحيط في التفسير
خبيرون في طعن الأباهر والكلى أي : بطعن ، لأن خبيرا لا يتعدى إلّا بالباء ، كما قال . خبير بأدواء النساء طبيب قال الزجاج وغيره . والأولى أن يكون المعنى : أمر اللّه ، إذ قد صرح به في قوله : أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ « 1 » وتكون عبارة عن بأسه وعذابه ، لأن هذه الآية إنما جاءت مجيء التهديد والوعيد ، وقيل : المحذوف : آيات اللّه ، فجعل مجيء آياته مجيئا له على التفخيم لشأنها ، قاله في ( المنتخب ) . ونقل عن ابن جرير أنه قال : يأتيهم بمحاسبتهم على الغمام على عرشه تحمله ثمانية من الملائكة ، وقيل : الخطاب مع اليهود ، وهم مشبهة ، ويدل على أنه مع اليهود قول بعد : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ، وإذا كان كذلك فالمعنى : أنهم لا يقبلون ذلك إلّا أن يأتيهم اللّه ، فالآية على ظاهرها ، إذ المعنى : أن قوما ينتظرون إتيان اللّه ، ولا يدل ذلك على أنهم محقون ولا مبطلون . فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ تقدّم الكلام على ذلك في قوله : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ « 2 » ويستحيل على الذات المقدّسة أن تحل في ظلة ، وقيل : المقصود تصوير عظمة يوم القيامة وحصولها وشدتها ، لأنه لا شيء أشد على المذنبين ، وأهول ، من وقت جمعهم وحضور أمهر الحكام وأكثرهم هيبة لفصل الخصومة ، فيكون هذا من باب التمثيل ، وإذا فسر بأن عذاب اللّه يأتيهم في ظلل من الغمام ، فكان ذلك ، لأنه أعظم ، أو يأتيهم الشر من جهة الخير ، لقوله : هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ « 3 » ولأنه إذا كان ذلك يوم القيامة فهو علامة لأشد الأهوال في ذلك اليوم ، قال اللّه تعالى : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ « 4 » ولأن الغمام ينزل قطرات غير محدودة ، فكذلك العذاب غير محصور ، وقيل : إن العذاب لا يأتي في الظلل ، بل المعنى تشبيه الأهوال بالظلل من الغمام ، كما قال : وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ « 5 » فالمعنى أن عذاب اللّه يأتيهم في أهوال عظيمة ، كظلل الغمام .
--> ( 1 ) سورة النحل : 16 / 33 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 57 . ( 3 ) سورة الأحقاف : 46 / 24 . ( 4 ) سورة الفرقان : 25 / 25 . ( 5 ) سورة لقمان : 31 / 32 .