أبي حيان الأندلسي

339

البحر المحيط في التفسير

قال الزمخشري : ويجوز أن تكون : كافة ، حالا من السلم ، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب ، قال الشاعر : السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب تكفيك من أنفاسها جرع على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها ، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة ، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها ، وأن لا يخلوا بشيء منها . و عن عبد اللّه بن سلام أنه استأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقيم على السبت ، وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل . و : كافة ، من الكف ، كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم . انتهى كلام الزمخشري . وتعليله جواز أن يكون : كافة ، حالا من السلم بقوله : لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب ، ليس بشيء ، لأن التاء في : كافة ، وإن كان أصلها للتأنيث ، ليست فيها إذا كانت حالا للتأنيث ، بل صار هذا نقلا محضا إلى معنى : جميع وكل ، كما صار : قاطبة ، وعامة ، إذا كان حالا نقلا محضا إلى معنى : كل وجميع . فإذا قلت : قام الناس كافة ، أو قاطبة ، أو عامة ، فلا يدل شيء من هذه الألفاظ على التأنيث ، كما لا يدل عليه : كل ، ولا جميع . وتوكيده بقوله : وفي شعب الإسلام وشرائعه كلها ، هو الوجه الأول من قوله : بأن يدخلوا في الطاعات كلها ، فلا حاجة إلى هذا الترديد بأو . وقال ابن عطية : وقالت فرقة : جميع المؤمنين بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، والمعنى : أمرهم بالثبوت فيه ، والزيادة من التزام حدوده . وتستغرق : كافة ، حينئذ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع ، فيكون الحال من شيئين ، وذلك جائز نحو قوله تعالى : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ « 1 » إلى غير ذلك من الأمثلة . ثم قال بعد كلام ذكره : وكافة ، معناه : جميعا . والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفيها . انتهى كلامه . وقوله : فيكون الحال من شيئين ، يعني : من الفاعل في ادخلوا ، ومن السلم ، وهذا الذي ذكره محتمل ، ولكن الأظهر أنه حال من ضمير الفاعل ، وذلك جائز ، يعني : مجيء الحال الواحدة من شيئين ، وفي ذلك تفصيل ذكر في النحو .

--> ( 1 ) سورة مريم : 19 / 27 .